من منّا لا يحبّ الحياة، لا بوصفها مجرّد استمرارٍ للأيام وتعاقبٍ للأنفاس، بل كعطيّةٍ إلهيّةٍ أودعها الله في الإنسان منذ البدء؟ فالحياة، في جوهرها العميق، ليست حادثةً بيولوجيّةً عابرة، بل نعمةٌ ساميةٌ تنبع من قلب الله نفسه. والروح التي نفخها الله في الإنسان ليست ملكًا للموت ولا أسيرةً للزمن، بل هي روحٌ خالدة، لا تنتهي بخروجها من الجسد، لأن مصدرها هو الله الحيّ الذي لا يزول.
غير أنّ فهم الحياة كثيرًا ما يُختزل في معانيها السطحيّة: الأكل والشرب، العمل والراحة، السعي لتلبية الاحتياجات والرغبات. وهذه كلّها أمور مشروعة وضروريّة، لكنها لا تختصر الحياة ولا تُشبِع جوهر الإنسان. فالحياة، بحسب الإعلان الإلهي، هي قيمة سماويّة عليا، أسلوب وجود، ومسيرة معنى، وانخراط واعٍ في مشيئة الله. إنها حياة تتّسم بالمحبّة والصدق، بالأمانة والإخلاص، بالإنسانيّة والعطف، بمدّ يد العون للمحتاج، وبالوقوف الشجاع في وجه قوى الظلم والشرّ والفساد، مهما تلونت وتبدّلت أقنعتها.
من هنا نفهم قول السيّد المسيح: «طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمّم عمله».
فالحياة الحقيقيّة ليست فيما نملأ به بطوننا، بل فيما يملأ قلوبنا من طاعةٍ لله وشركةٍ معه. مشيئة الآب ليست عبئًا يُثقِل الإنسان، بل هي غذاء الروح، وسرّ الشبع الذي لا يزول. وعندما تتماهى إرادة الإنسان مع إرادة الله، تتحوّل الحياة من صراعٍ داخلي إلى انسجام، ومن قلقٍ دائم إلى سلامٍ عميق.
والكتب المقدّسة، من أوّلها إلى آخرها، تشهد لهذه الحياة الأبديّة التي يمنحها الله للإنسان، لا كمكافأةٍ مؤجّلة فحسب، بل كواقعٍ يُعاش منذ الآن. فالحياة الأبديّة لا تبدأ بعد الموت، بل تبدأ عندما يدخل الإنسان في علاقة حيّة مع الله، علاقة قربٍ وثقةٍ ومحبة. وقد كشف الله لنا سرّ جمال هذه الحياة وحلاوتها ولذّتها حين نكون بقربه، مرتبطين به ارتباط الغصن بالكرمة، نرتوي من نبع نعمته ونستنير بنور حضوره.
وقد أنارنا الله بهذه الحياة وكشفها لنا من خلال تعاليم وأعمال السيّد المسيح، الذي لم يأتِ ليعطي تعريفًا نظريًا للحياة، بل ليجسّدها في شخصه. ففيه صارت الحياة مرئيّة وملموسة، وصار الحب فعلًا، والحق طريقًا، والخدمة أسلوب وجود. وهكذا لم تعد الحياة مجرّد فكرة نؤمن بها، بل حقيقة نلمسها ونختبرها في قلوبنا، فتملأ الداخل فرحًا لا يتزعزع، وسلامًا يفوق كل عقل، وسكينةً لا تصنعها ظروف هذا العالم المتقلّبة.
طوبى لمن يحيا حياة الله، لا حياة الأنانية والانغلاق، ولا حياة الخوف والتعلّق الزائل. طوبى لمن يجعل الله مركز وجوده ومنطلق قراراته، لأن هذه الحياة وحدها هي الشبع الحقيقي، والفرح الحقيقي، والامتلاء الحقيقي، والغنى الحقيقي. ففي عالمٍ يَعِد بالكثير ولا يُشبِع، تبقى حياة الله هي الوعد الأمين الذي لا يخيب، والكنز الذي لا يصدأ، والينبوع الذي لا ينضب.