ليس أصعب على قلب البطل من أن يحمل أمة كاملة على كتفيه طوال طريق شاق، ليجد نفسه في النهاية وحيدا أمام "لحظة القدر" التي لا ترحم. هذا تماما ما حدث مع النجم المغربي إبراهيم دياز في نهائي كأس أمم أفريقيا 2025، ليعيد للأذهان، وبصورة طبق الأصل، مشهد "الرجل الذي مات واقفا"؛ الأسطورة الإيطالية روبرتو باجيو.
شبح باجيو في "باسادينا" 1994
لكي نفهم وجع دياز، علينا أن نعود إلى تموز 1994، تحت شمس كاليفورنيا الحارقة.
كان باجيو هو كل شيء لإيطاليا؛ سجل خمسة أهداف حاسمة، جر فريقه المصاب والمتهالك إلى النهائي جرا.
وفي لحظة ركلة الترجيح الأخيرة ضد البرازيل، وقف "صاحب ذيل الحصان" وأطلق كرة لم تسكن الشباك، بل صعدت إلى السماء، معلنة نهاية حلم جميل.تلك الصورة لباجيو، رأسه المنحني ونظراته التائهة وهو ينظر إلى الأرض بينما يركض البرازيليون فرحا، بقيت كأكثر لحظات كرة القدم تراجيدية.
لقد كان الأفضل، لكنه تعثر في الخطوة الأخيرة، ومنذ تلك اللحظة صار باجيو رمزا للألم الجميل الذي يرافق العظمة.
دياز 2025.. سيناريو الألم المتجدد
بعد أكثر من ثلاثين عاما، تمثلت تلك الروح في جسد إبراهيم دياز. دخل دياز كأس أمم أفريقيا 2025 وهو يحمل آمال المغاربة في لقب طال انتظاره.
تألق، سجل، صنع، وتوج نفسه هدافا للبطولة بلا منازع. لكن القدر كان يخبئ له محنة تشبه محنة الكبار، لحظة يختبر فيها معدن الصبر أمام ملايين العيون.
في المواجهة المصيرية ضد "السنغال"، وفي لحظة كانت تنتظر فيه الملايين لمسته السحرية من علامة الجزاء، ضاعت الكرة.. وضاع معها التاج الأفريقي. المشهد كان يمزق القلوب؛ دياز الذي أمتع الجميع طوال الشهر، يقف مصدوما أمام ضياع جهد العمر في ثانية واحدة. انتشرت صورته وهو يبكي، تماما كما انتشرت صورة باجيو قبله، ليصبح "بطلا مأساويا" في عيون عشاق "أسود الأطلس"، بطل فاز بكل شيء إلا الركلة الأخيرة.
مواساة التاريخ: حين يكون السقوط دليلا على العظمة
لم يكن الرابط بين دياز وباجيو مجرد صدفة رياضية، بل كان جسرا من التعاطف الإنساني الذي بناه الجمهور العربي.
ضجت مواقع التواصل بعبارات تقول: "لا تحزن يا دياز، فقد سبقك إلى هذا الألم أعظم من لمس الكرة".
إن هذه المقارنة لم تكن لتقليل شأن دياز، بل لرفعه إلى مصاف الأساطير. فالرسالة الكامنة خلف "لعنة باجيو" هي أن ركلات الجزاء الحاسمة لا يتصدى لها إلا الشجعان، ولا يضيعها إلا العظماء الذين امتلكوا الجرأة للوقوف أمام التاريخ في أصعب لحظاته. دياز، رغم غصة النهائي، بقي في قلوب المغاربة "الملك" الذي أعاد للقميص هيبته، تماما كما بقي باجيو أسطورة إيطاليا الأولى رغم كرة "باسادينا".
سيذكر التاريخ أن إبراهيم دياز كان هداف أفريقيا ونجمها الأول، وسيذكر أيضا أنه "بكى" بعد ركلة جزاء ضائعة.
لكن هذه "النقطة السوداء" ليست سوى ندبة تؤكد بشرية النجوم وجمالية كفاحهم. لقد انضم دياز إلى "نادي العظماء المنكسرين"، ليثبت أن الحب الذي يناله اللاعب بعد سقوطه، أحيانا ما يكون أبقى وأصدق من مراسم التتويج نفسها.
إن خلود باجيو لم يأت من أهدافه فقط، بل من تلك الركلة التي جعلته إنسانا يشبهنا في انكساره، واليوم يسير دياز على نفس الخطى، بطلا يمتلك الموهبة، وامتلك أخيرا "ندبة" الأساطير.