حين يكون الرجل الذي تكتب عنه نسيبك، ووالد زوجتك، وجدّ أبنائك، فإن الكلمات لا تأتي من هامش الذاكرة، بل من عمق القلب. فالقرب هنا لا يمنح امتياز المديح، بل يفرض أمانة الصدق، ويجعل الشهادة أثقل وأصدق. أكتب عنه اليوم لا بدافع القرابة، بل بدافع الفخر؛ فقد عرفته إنسانًا ثابت القيم قبل أن أعرفه مسؤولًا، وأخلاقًا راسخة قبل أن أعرفه منصبًا، وحضورًا أبويًا في البيت كما في الميدان. ومن هذا الموقع، يصبح الحديث عنه شهادة حق لا مجاملة، ووفاءً لقيمةٍ إنسانية ووطنية، قبل أن يكون سردًا لمسيرةٍ رسمية… فبعض الرجال نثق بمسؤوليتهم لأننا عرفنا معدنهم، لا لأنهم حملوا المنصب.
رضوان العتوم… حالة وطنية من المحبة والاحترام
ليست الإحالة إلى التقاعد نهاية مسيرة، بل هي تتويج لمسارٍ وطنيٍّ مشرّف، وخاتمة فصلٍ مضيء من فصول العطاء الصادق والخدمة الأمينة. واليوم، إذ يصدر قرار إحالة عطوفة محافظ إربد رضوان العتوم إلى التقاعد، فإننا لا نكتب عن مسؤولٍ غادر موقعه، بل عن قائدٍ ترك بصمته في القلوب قبل السجلات، وفي الوجدان قبل الوثائق، وفي حياة الناس قبل المكاتب.
ليس سهلاً أن يترجّل المسؤول عن موقعه فيما القلوب ما تزال متعلّقة به، والدعوات تسبقه قبل الكلمات، لكن ذلك هو حال رضوان العتوم؛ رجلٍ غادر منصبه بعد عشر سنوات لم تكن سنوات وظيفة، بل سنوات رسالة. رسالة عنوانها الإنسان، ومضمونها الوطن، وغايتها خدمة الناس بصدق، دون تكلّف، ودون مسافات، ودون حواجز.
عرفه أبناء إربد قائدًا في الميدان لا خلف مكتب، حاضرًا بين الناس لا فوقهم، قريبًا من همومهم لا بعيدًا عنها، مشاركًا أفراحهم وأتراحهم، يسمع أكثر مما يتكلم، ويحتوي قبل أن يقرّر، ويجمع بين هيبة الدولة ودفء الإنسان، وبين صرامة القانون ورحمة الضمير. فغدا اسمه مرادفًا للطمأنينة، والثقة، والعدل.
تميّز عطوفته بقدرة فريدة على التواصل مع كافة أطياف المجتمع دون استثناء أو تمييز؛ مع الوجهاء والشباب، مع القرى والمخيمات والمدن، مع البسطاء قبل النخب، ومع الجميع تحت مظلة القانون وروح العدالة الإنسانية التي تُشعر المواطن بأنه شريك لا مجرد رقم. فصار محبوبًا لأنه صادق، ومقبولًا لأنه عادل، ومؤثرًا لأنه قريب.
وعلى امتداد عشر سنوات حافلة بالتحديات، لم تكن الأزمات عوائق في مسيرته، بل محطات اختبار حقيقية أظهر فيها معدن القائد؛ حنكة إدارية تدير الواقع بعقلٍ راجح، وحكمة توازن بين القرار والإنسان، وعاطفة أبوية تخفف قسوة الظروف، وإيمان راسخ بأن النجاح الحقيقي يُبنى بروح الفريق لا بمنطق الفرد. فكان يجمع الأجهزة الرسمية والمجتمع المحلي على هدف واحد: أمن الوطن وراحة المواطن.
أما ولاؤه للعرش الهاشمي، فكان سلوكًا يوميًا لا شعارًا، وترجمة صادقة لتوجيهات القيادة الحكيمة إلى عمل ميداني مسؤول، يعكس صورة الدولة الأردنية في أبهى صورها: دولة القانون والإنسان معًا، دولة المؤسسات والضمير الحي.
ولعل أعظم شهادة تُمنح لمسؤول، ليست كتاب شكر ولا وسامًا رسميًا، بل محبة الناس. وتلك المحبة التي حظي بها رضوان العتوم بلغت حدّ أن يتحوّل اسمه إلى مطلب جماهيري بالتمديد، في حالة نادرة تتجاوز النصوص إلى صوت الشارع، لا لأن القانون لا يُحترم، بل لأن الرجل كان استثناءً في الأداء، واستثناءً في الحضور، واستثناءً في التأثير.
لقد جسّد رضوان العتوم معنى القائد الحقيقي؛
القائد الذي لا يفرض احترامه بل يكسبه،
ولا يطالب بالثقة بل يزرعها،
ولا يبحث عن الأضواء بل تصنعه إنجازاته،
ولا يتعالى على الناس ولا يختبئ خلف منصبه،
بل قدّم نفسه خادمًا للناس، وأمينًا على المسؤولية، ومخلصًا للعرش، ووفيًّا للدولة، وصادقًا في العطاء.
اليوم يترجّل رضوان العتوم عن موقعه الرسمي، لكنه لن يترجّل عن مكانته في القلوب، ولا عن أثره في الذاكرة، ولا عن حضوره في الوجدان الجمعي لأبناء إربد. فقد بقي اسمه مكتوبًا لا كـ"محافظٍ سابق”، بل كـمرحلة استقرار، وحكمة، وإنسانية.