بينما تُفتح أبواب القاعات المغلقة في جنيف وفيينا لمفاوضات "الفرصة الأخيرة" بين واشنطن وطهران ، ترسم التحركات على الأرض مشهداً مناقضاً تماماً للغة الدبلوماسية. نحن أمام حالة من "الانفصام الاستراتيجي"؛ فبينما يتحدث الدبلوماسيون عن التقدم، تتحدث القواعد العسكرية والمطارات عن طبول الحرب.
المؤشرات الميدانية: رسائل خشنة في بريد التفاوض
الإخلاءات الدبلوماسية والرعايا:
طلب الولايات المتحدة من رعاياها مغادرةإسرائيل ، وتزامن ذلك مع دعوات الصين وإيطاليا ودول أوروبية لمواطنيها بمغادرة إيران، لا يندرج تحت بند "الإجراء الروتيني". هذه الخطوات تعني أن أجهزة الاستخبارات لهذه الدول تضع احتمالية الصدام المباشر في كفة مساوية تماماً لكفة الاتفاق.
شلل الأجواء الجوية:
إلغاء شركات الطيران التركية والإيرانية رحلاتها إلى طهران (خاصة مساء الجمعة) هو "مؤشر خطر" تقني؛ فعادة ما تُغلق الأجواء أو تُلغى الرحلات عند توقع ضربات جوية أو بدء تحركات لمنصات الدفاع الجوي والصاروخي.
التعزيزات العسكرية (قوة الردع):
وصول 6 مقاتلات "إف-22" (F-22 Raptor) إضافية -وهي أحدث ما تملك التكنولوجيا الأمريكية من طائرات شبحية- وانضمامها لـ 11 طائرة أخرى في جنوب إسرائيل، يرسل رسالة واحدة لـ طهران: "الدبلوماسية لها أنياب". واشنطن تريد دخول مفاوضات الأسبوع المقبل وهي في أقصى درجات الجاهزية العسكرية.
لماذا هذا التناقض؟
ثمة تفسيران لهذا المشهد "خارج السياق":
أولاً (سيناريو الضغط): أن و #اشنطن وإسرائيل تتعمدان تسريب هذه الأخبار والتحركات لرفع سقف الضغط على المفاوض الإيراني، لإجباره على تقديم تنازلات مؤلمة في ملف التخصيب ونفوذ الفصائل الإقليمية، وتفكيك "العقد" التي ظهرت في جنيف.
ثانياً (سيناريو فشل المسار): أن التسريبات حول "تقدم المفاوضات" هي مجرد غطاء دبلوماسي بينما استقر القرار فعلياً على توجيه ضربة "جراحية" للمنشآت النووية أو العسكرية، والتحركات الحالية هي لتأمين الجبهات الخلفية (إخلاء الرعايا) قبل الصدمة.
نحن لا نعيش "خارج السياق"، بل نحن في قلب "سياق التفاوض بالرصاص". الأسبوع المقبل لن يكون أسبوعاً للمفاوضات فحسب، بل هو اختبار حقيقي لما إذا كانت المنطقة ستنزلق إلى مواجهة كبرى، أم أن هذا التصعيد هو "الظلام الذي يسبق الفجر" لاتفاق تاريخي جديد.