مع إطلالةِ شهر رمضان المباركِ في كلِّ عام، تتجدَّد في المجتمعِ قيمُ التكافلِ والتراحمِ، فتزدهرُ المبادراتُ الإنسانيةُ التي تعكسُ أجملَ معاني العطاءِ. ومن بين هذه المبادراتِ المميَّزةِ تبرزُ مبادرةُ "إفطار صائم" التي تواصلُ مسيرتَها المباركةَ للعامِ الرابعِ عشرَ على التوالي، بالتعاونِ مع جمعيةِ سحمَ الخيريةِ وبجهودِ فريقِ متطوِّعون من أجلِ الخيرِ.
لقد بدأت هذه المبادرةُ بفكرة بسيطة تهدفُ إلى تفطيرِ الصائمين، لكنها مع مرورِ السنواتِ تحوَّلت إلى مشروع إنسانيٍ راسخٍ يخدمُ عشراتِ الأسرِ المحتاجةِ وعابري السبيلِ والعمَّالِ، ممن قد لا تتوفَّرُ لهم فرصةُ الإفطارِ الكريمِ. ويقفُ خلف هذا العملِ عشراتُ المتطوعين الذين يكرِّسون وقتَهم وجهدَهم إيمانًا بأن العملَ الخيريَّ في رمضانَ رسالةٌ إنسانيةٌ تعبِّر عن أصالةِ المجتمعِ وروحِ التضامنِ فيه.
وخلال أربعةَ عشرَ عامًا، لم تقتصر المبادرةُ على توزيعِ وجباتِ الإفطارِ فحسب، بل أصبحت نموذجاً حيّا للمشاركة المجتمعيةِ، حيث يساهمُ فيها أبناءُ البلدةِ والشبابُ والمتبرعون، كلٌّ بطريقتِه؛ فمنهم من يقدِّم الدعمَ الماديَّ، ومنهم من يشاركُ في إعدادِ الطعامِ أو توزيعِه، ومنهم من يسهمُ في التنظيمِ والتنسيقِ، لتتكاملَ الجهودُ في لوحةٍ جميلةٍ من العملِ التطوعيِّ.
وتحرصُ جمعيةُ سحمَ الخيريةُ على تنظيمِ هذه المبادرةِ بشكلٍ يضمنُ وصولَ وجباتِ الإفطارِ يومياً إلى مستحقيها طوالَ شهرِ رمضانَ، مع الحفاظِ على جودةِ الطعامِ وكرامةِ المستفيدين. كما أن التعاونَ مع فريقِ متطوِّعون من أجلِ الخيرِ يعزِّزُ من قدرةِ المبادرةِ على الاستمرارِ والتوسُّعِ، ويؤكِّدُ أن العملَ التطوعيَّ حين يقترنُ بالتنظيمِ المؤسسيِّ يصنعُ أثراً كبيراً ومستداماً
ومن اللافتِ أن نجاحَ هذه المبادرةِ لم يقتصرْ على مكان واحدٍ، بل إنَّ فكرتَها المباركةَ بدأت تنتشرُ في أماكنَ عديدةٍ، حيث ظهرت نسخٌ مشابهةٌ منها في مناطقَ مختلفةٍ. وهذا الانتشارُ يُعَدُّ دليلًا واضحًا على نجاحِ الفكرةِ وبساطتِها وقبولِها في مجتمعِنا، إذ إنَّ الأفكارَ الصادقةَ حين تنطلقُ من روحِ الخيرِ تجدُ طريقَها سريعًا إلى قلوبِ الناسِ وتتحوَّلُ إلى ثقافةِ عطاءٍ متجدِّدةٍ.
ولا بدَّ في هذا المقامِ من توجيهِ كلمةِ شكرٍ وامتنانٍ إلى المجتمعِ المحليِّ في بلدةِ سحمَ الكفاراتِ الذي كان وما يزالُ الحاضنةَ الحقيقيةَ لهذه المبادرةِ، حيث يثبتُ أبناءُ البلدةِ في كلِّ عامٍ أن روحَ التكافلِ متجذِّرةٌ في وجدانِهم. كما نتقدَّمُ بجزيلِ الشكرِ والتقديرِ إلى كافةِ الداعمينَ والمحسنينَ في مختلفِ أنحاءِ المملكةِ الأردنيةِ الهاشميةِ الذين ساهموا في دعمِ هذه المبادرةِ المباركةِ، سواءً بالدعمِ الماديِّ أو المعنويِّ، فكانوا شركاءَ حقيقيينَ في صناعةِ هذا الخيرِ الممتدِّ.
إن استمرارَ مبادرةِ إفطارِ صائمٍ للعامِ الرابعِ عشرَ ليس مجرَّدَ رقمٍ، بل هو قصةُ نجاحٍ إنسانيةٍ تعكسُ ثقةَ المجتمعِ بهذه المبادرةِ وإيمانَه بقيمةِ العملِ الخيريِّ. فكلُّ وجبةِ إفطارٍ تُقدَّمُ تحملُ رسالةَ أملٍ، وتُجسِّدُ قولَ النبيِّ ﷺ: "من فطَّرَ صائمًا كان له مثلُ أجرِه".
وفي الختامِ، تبقى هذه المبادرةُ مثالًا حياً على أن التعاونَ بين المؤسساتِ الخيريةِ والمتطوعينَ وأهلِ الخيرِ قادرٌ على صناعةِ أثرٍ عميق في المجتمعِ. ومع كلِّ عام جديد، تتجدَّدُ الدعوةُ لكلِّ من يستطيعُ أن يكونَ جزءاً من هذا الخيرِ، لأنَّ رمضانَ يزدادُ جمالًا حين نتقاسمُ بركتَه مع الآخرين.