يواجه القطاع الزراعي في وادي الأردن، الذي يُعد الشريان المغذي للسوق المحلي والأسواق الخارجية، أزمة غير مسبوقة تجاوزت حدود شح المياه وكلف الأسمدة لتصل إلى ضربة قاصمة تمثلت في ارتفاع أجور الشحن.
هذا الارتفاع بات يهدد بتوقف الصادرات الزراعية تماما، مما يضع المزارع الأردني في مواجهة مباشرة مع خسائر فادحة نتيجة عدم القدرة على تصريف إنتاجه وإخلاله بالعقود الموقعة مع مستوردين.
يقول المزارع عواد البليلات: "كنا نعول كثيرا على موسم التصدير لتعويض خسائر العام الماضي، لكننا صُدمنا بأن كلفة شحن صندوق الخضار إلى أوروبا أو دول الخليج قد ارتفعت بشكل جنوني، بتنا نزرع لنخسر، والشاحنات التي كانت تنقل أرزاقنا باتت تطلب أرقاما فلكية".
ويضيف: "الخطر الأكبر هو خسارة أسواق مهمة للإنتاج الزراعي الأردني؛ إذ إن المستهلك حتما سيبحث عن أسواق أخرى لتأمين احتياجاته من الخضار، الأمر الذي قد يدمر جهود سنوات طويلة من العمل لبناء جسور الثقة مع المستوردين في الأسواق الخارجية"، لافتا إلى أن المزارع الأردني أو حتى مصدري الخضار والفواكه لن يستطيعوا المنافسة في الأسواق الخارجية في ظل الأجور الجديدة.
ويبين أن الأوضاع الأمنية في المنطقة استغلها الكثير من مقدمي الخدمات والتجار لزيادة الأجور وأثمان البضائع، مشيرا إلى أن بعض محلات بيع الأسمدة قامت برفع ثمن الطن الواحد بمعدل 200 دينار بحجة ارتفاع كلف الشحن، رغم أن البضاعة موجودة في مخازنهم منذ فترة بعيدة.
أما علاء المغربي فيؤكد أن شركة الشحن زادت ما يقارب من 1500 دولار على أجور شحن البراد عما كان متفقا عليه سابقا، موضحا أن الشركات وأصحاب البرادات يتعللون بالأوضاع الأمنية ومخاطر الطريق وما إلى ذلك أسبابا لزيادة الأجور.
المشكلة الأكبر بحسب المغربي أن بعض الشحنات التي كان من المفترض أن تصل خلال فترة معينة تأخرت بسبب توقف حركة الشحن، مما أدى إلى الإخلال بالعقد المبرم مع المستوردين، وهو أمر يترتب عليه خسائر إضافية، موضحا أنه قام ببيع شحنتين لتاجر بإحدى دول شرق آسيا، إلا أن أجور الشحن ارتفعت بمعدل 3500 دولار على كل شحنة، علما أن المستورد قام بدفع كامل الحساب بما في ذلك أجور الشحن قبل الرفع، الأمر الذي تسبب بخسارة لبضاعتي.
ويشير المغربي إلى أنه اضطر إلى إرسال البضاعة للمستورد للحفاظ على العلاقة الطيبة التي بناها على مدى سنوات من التعامل، لافتا إلى أن التأخير في وصول الشحنات المعدة للتصدير يسيء لسمعة المنتج الوطني في الأسواق الدولية ويؤدي إلى إلغاء العقود التجارية.
ويرى مزارعون أن مشهد تكدس المحاصيل في الأسواق المركزية لم يعد غريبا، ولكن السبب هذه المرة ليس وفرة الإنتاج فحسب بل العجز عن تصديره، مطالبين بدعم مباشر للصادرات من خلال تخصيص صندوق لدعم فرق أسعار الشحن للمزارع الصغير والمتوسط، وضرورة العمل على تفعيل الاتفاقيات التجارية التي تضمن تسهيلات لوجستية، وضرورة تقليل الرسوم الجمركية والضرائب على مستلزمات الإنتاج والتعبئة لتخفيف العبء الكلي.
ويرى رئيس اتحاد مزارعي وادي الأردن، عدنان الخدام، أن استمرار أزمة الشحن الزراعي في ظل الظروف الأمنية الراهنة ينذر بكارثة للقطاع، إذ أن استمرار هذا الوضع سيتسبب بخسائر للمزارعين وقد يؤدي إلى عزوفهم عن الزراعة في الموسم المقبل، قائلا: "القطاع الزراعي يتلقى ضربات متتالية، وارتفاع أجور الشحن هو المسمار الأخير في نعش التصدير، نحن بحاجة إلى تدخل حكومي عاجل لدعم كلف التصدير أو توفير خطوط شحن مدعومة، وإلا سنفقد أسواقنا الإستراتيجية لصالح المنافسين".
ويضيف: "قد يؤدي ارتفاع كلف الشحن والنقل في النهاية إلى رفع أسعار المواد الغذائية والمنتجات الزراعية في السوق المحلي"، منوّها إلى أن الرحلة من المزارع إلى مراكز التوزيع أو التصدير لم تعد مجرد مسألة وقت بل أصبحت مغامرة غير مأمونة العواقب، فالزراعة قطاع مرتبط بالوقت، الثمار لا تنتظر والتأخير في مواعيد التسليم قد يتحول إلى خسائر مادية فادحة.
ويشدد الخدام على ضرورة اتخاذ خطوات تخفف وطأة المخاطر على الناقلين وتدعم تكاليف الشحن، خاصة للشاحنات الزراعية لضمان انسيابية الغذاء، موضحا أن الأوضاع السائدة قد تؤدي إلى اضطراب في سلاسل التوريد العالمية وارتفاع كلف الطاقة التي انعكست على برادات الشحن، ناهيك عن الإغلاقات أو التعقيدات في بعض المعابر البرية والتي ستدفع المزارعين إلى اللجوء للشحن الجوي والبحري الأعلى كلفة.
ويرى سائقون أن أصحاب الشاحنات والبرادات يواجهون مخاطر التعرض للقصف أو عمليات السلب والنهب في المناطق الساخنة، مما دفع الكثيرين منهم إلى التوقف عن العمل في خطوط معينة، الأمر الذي قد يؤخر حركة النقل عبر الحدود، مشيرين إلى أن كلف الشحن إلى لبنان وتركيا عبر سورية ودول الخليج العربي ارتفعت بنسب متفاوتة.
من جانبه، يقر مصدر في نقابة أصحاب الشاحنات بارتفاع أجور الشحن، عازيا ذلك إلى زيادة الطلب على النقل مع إغلاق مضيق هرمز، خصوصا لأسواق دول الخليج العربي.
ويبين أن معظم الصادرات الزراعية التي كانت تصل إلى أسواق الخليج العربي عن طريق البحر توقفت مع إغلاق المضيق.
وكان البديل الوحيد هو استيراد الخضار من الأردن ومصر والتي تنقل عبر الحدود البرية، مما أدى إلى زيادة الطلب على النقل البري خلال الفترة الماضية.
ويوضح أن أي شاحنة أو براد تذهب إلى العقبة لتحميل البضائع ومن ثم تذهب إلى وجهتها سواء كانت إلى دول الخليج أو إلى أي حدود أخرى أو حتى إلى السوق الأردنية سيزيد من كلف النقل مع زيادة كلف الوقود والوقت وأجور السائقين والكلف الأخرى، لافتا إلى أن زيادة الطلب على النقل بحد ذاته قد تدفع الأجور إلى الارتفاع.
وكانت الحكومة قد اتخذت سلسلة من الإجراءات للتعامل مع تداعيات الأوضاع الإقليمية وضمان استدامة أمن الطاقة وسلاسل التزويد والإمداد، وتضمنت وقف العمل بقرار حصر استيراد البضائع الواردة بالحاويات إلى ميناء العقبة، والسماح باستيرادها عبر المنافذ الحدودية البرية الأردنية لمدة شهر بهدف ضمان وصول الإرساليات المستعجلة من البضائع المحملة بالحاويات إلى مقاصدها في المملكة، والموافقة على الإعفاء من الرسوم الجمركية والضرائب المترتبة على ما ارتفع من أجور الشحن البحري على البضائع، وشمول جميع البضائع الواردة عبر الشحن البحري بهذه الإعفاءات لمدة ستة أشهر.