تتصاعد حدة المواجهة الإقليمية في الشرق الأوسط لتدخل مرحلة "عض الأصابع" الاستراتيجية، حيث تتحول ساحات القتال تدريجياً من صدام عسكري مباشر إلى صراع دولي معقد يتمحور حول استقرار الطاقة والتوازنات الاستراتيجية طويلة المدى، وسط تباين لافت بين "الحذر الاقتصادي" لواشنطن و"الضغط العسكري" المكثف لتل أبيب.
تبرز الجبهة الخليجية كأخطر محاور الصراع حالياً، حيث تعمقت الحرب الاقتصادية باستهداف البنية التحتية المدنية للطاقة والخدمات اللوجستية في معظم دول الخليج. وبينما يمر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، دفعت الحوادث المتكررة الأسعار لتتجاوز عتبة الـ 100 دولار للبرميل. وتعتمد طهران استراتيجية "التعطيل المستمر" بدلاً من الإغلاق الكامل، بهدف رفع تكاليف التأمين وتحويل مسارات الشحن للضغط على الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تظل جزيرة "خرج" الإيرانية، التي تصدر نحو 90% من خام البلاد، تحت مجهر التهديد؛ حيث استهدفت الضربات الأمريكية الأخيرة البنية العسكرية للحرس الثوري المحيطة بها والمتخصصة في الألغام والصواريخ الساحلية، مع تجنب تدمير محطة التصدير ذاتها لتفادي صدمة سعرية كارثية في سوق النفط.
داخلياً، تواصل إسرائيل حملة جوية شرسة في العمق الإيراني، استهدفت خلال الـ48 ساعة الماضية مراكز القيادة، وشبكات الدفاع الجوي، ومواقع الإنتاج العسكري في طهران وكرج، وصولاً إلى مطار "مهرآباد" الذي شهد تدمير طائرات تابعة للقيادة الإيرانية. وتتزامن هذه الضربات مع تصعيد ميداني واسع في لبنان؛ إذ تجاوزت القوات الإسرائيلية نمط العمليات الحدودية لتعمق انتشارها البري بتطويق بلدة الخيام والتقدم نحو نهر الليطاني، في محاولة لإعادة تشكيل ساحة المعركة كلياً ضد حزب الله، الذي لا يزال يحافظ على وتيرة إطلاق الصواريخ والمسيرات نحو شمال إسرائيل رغم خسائره اللوجستية الكبيرة.
وفي العراق، تواصل الفصائل المتحالفة مع إيران استهداف القواعد الأمريكية والمنشآت الدبلوماسية، بما في ذلك مجمع السفارة في بغداد، لرفع كلفة العمليات الأمريكية وإجبار واشنطن على استنزاف مواردها في الدفاع والاعتراض. وعلى الصعيد الجوي، لا تزال إيران قادرة على إطلاق رشقات صاروخية نحو النقب وجنوب إسرائيل، إلا أن فاعليتها العسكرية تظل محدودة أمام شبكة الدفاع المتعددة الطبقات التي تشارك فيها أنظمة "ثاد" الأمريكية و"مقلاع داود" الإسرائيلية.
وعلى المسار السياسي، يبدو أن إدارة الرئيس ترمب تدير "لعبة استراتيجية" طويلة الأمد؛ فبينما يلمح ترمب علناً إلى قرب نهاية الحرب، تشير التحركات العملية إلى الاستعداد لحملة ممتدة عبر الدفع نحو تحالف متعدد الجنسيات لتأمين مضيق هرمز. وتقوم الرؤية الأمريكية على موازنة دقيقة تهدف إلى الاستمرار في تحطيم القدرات العسكرية الإيرانية وحماية تدفقات الطاقة، دون السماح بحدوث انهيار في استقرار الأسواق العالمية.
وفي المحصلة، فإن هذا التحول التدريجي للمواجهة يشير إلى أن الحرب لم تعد تقتصر على إضعاف القدرات العسكرية فحسب، بل باتت صراعاً أوسع يمس البنية التحتية الإقليمية، حيث تواصل إسرائيل توسيع ساحة المعركة في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة بالتحول نحو إدارة الصراع عبر التحالفات الدولية، لضمان منع الانزلاق نحو أزمة طاقة عالمية شاملة.