توقف الزمان طويلاً أمام عبارة هزت الوجدان العربي والإسلامي مع حلول عيد الفطر لهذا العام 1447 هجري : لعلها المرة الأولى منذ 839 عاماً التي لا تقام فيها صلاة العيد في المسجد الأقصى . وباعتباري باحثاً في التاريخ السياسي والاجتماعي و الحضاري ، وجدتُ لزاماً عليّ استنطاق الوثائق التاريخية لبيان الخيط الرفيع الذي يفصل بين الرمزية العاطفية والحقيقة العلمية المجردة ، وفك رموز هذا الرقم الذي بات يختصر حكاية صمود ومحاولات طمس لهوية مقدسة .
فك الشفرة التاريخية : لماذا 839 عاماً ؟
إن الرقم المتداول ليس رقماً عشوائياً ، بل هو تأريخ دقيق للحظة تطهير المسجد الأقصى على يد القائد الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 1187 م . فقبل ذلك التاريخ ، وتحديداً في عام 1099 م ، خيم الصمت المطبق على مآذن القدس طيلة 88 عاماً من الاحتلال الصليبي ، حيث لم يُرفع أذان ولم تُقم جمعة أو عيد . ومنذ لحظة التحرير الأيوبي ، استعاد المسجد هويته السيادية ، وظلت الصلاة فيه شعيرة لا تنقطع كلياً لعقود ، وهو ما جعل المؤرخين يتخذون من تاريخ الفتح الصلاحي نقطة ارتكاز لقياس استمرارية العبادة في رحابه .
تمثلت ممارسات المحتل الصليبي في محاولة استئصال المعالم الإسلامية للمسجد الأقصى بالكامل ، وقد سجل التاريخ أبشع صور التعدي :
الانتهاك البنيوي : تحويل " المصلى القبلي " إلى سكن لفرسان الهيكل ومستودع لذخائرهم ، فيما حُوّلت الأروقة الغربية والمصليات الملحقة إلى إسطبلات للخيول .
طمس المعالم : رُفع الصليب فوق " قبة الصخرة المشرفة " بعد تحويلها إلى كنيسة سُميت " معبد الرب " ، وطُليت جدرانها بالصور والتماثيل ، ومُنعت الصلاة الإسلامية فيها منعاً باتاً لثمانية عقود ، في أطول انقطاع سيادي وتعبدي شهده المسجد عبر تاريخه .
الاحتلال الإسرائيلي : إستراتيجية الحصار والتقسيم ( 1967 - 2026 م )
منذ وقوع المسجد تحت الاحتلال في حزيران 1967 م ، انتهج المحتل سياسات " القضم نعم القضم الممنهج " بهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم ، وتنوعت ممارساته السلبية لتشمل :
1 ) الاستهداف المادي والإنشائي : بدءاً من حريق المسجد عام 1969 م ، وصولاً إلى " ثورة الأنفاق " والحفريات المستمرة أسفل جدران المسجد الأقصى ، مما أدى لتصدع العديد من أبنيته التاريخية .
2 ) فرض التقسيم الزماني والمكاني : عبر تشجيع الاقتحامات اليومية للمستوطنين وتأمين الصلوات التلمودية داخل الساحات ، ومحاولة تفريغ المسجد من المصلين المسلمين في فترات محددة لفرض واقع جديد .
3 ) سلاح الإغلاق والتقييد : عزل القدس عن محيطها الفلسطيني عبر جدار الفصل العنصري ، ونشر الحواجز العسكرية ، وفرض " سياسة المنع " التي تطال الشباب والنساء ، وصولاً إلى الإغلاقات الشاملة التي تذرعت بالظروف الأمنية أو الصحية لتعطيل صلاة العيد ومنع مئات الآلاف من الوصول لرحابه .
الحقيقة العلمية : انقطاع شامل أم تعطيل قسري ؟
من الناحية التاريخية والتحليلية ، الأقصى لم يشهد غياباً مطبقاً للسيادة كالعهد الصليبي ، لكنه خاض صراعاً مريراً مع " النوازل " السياسية :
صمود المقدسيين : واجه أهل القدس سياسات المنع بابتكار " صلاة الأرصفة " عند باب الأسباط وباب السلسلة ، تأكيداً على أن المسجد ليس مجرد بناء ، بل هو عقيدة لا تقبل الغياب .
الانقطاع المزدوج : في السنوات الأخيرة ( مثل عام 2020 م وعام 2026 م / الموافق للعام 1447 هـ ) ، امتزجت الظروف العالمية ( كجائحة كورونا ) بإجراءات الاحتلال التعسفية ، مما خلق مشهداً حزيناً لساحات خالية في العيد ، وهو ما اعتبره الباحثون طعنة في ذاكرة الثمانية قرون من الشعائر المتصلة .
الرؤية الختامية :
إن عبارة " لأول مرة منذ 839 عاماً " هي صرخة تنبيه تعكس حجم المخاطر الوجودية التي تتهدد المسجد الأقصى . إن منع المصلين من أداء الصلوات وتحديداً صلاة العيد في ساحاته هو محاولة لكسر الرابط التاريخي الذي أسسه صلاح الدين الأيوبي . يبقى الأقصى شامخاً بيقين أهله ، وتبقى مآذنه صوتاً للحق لا يغيب ، وإن حالت بين المصلين وبينه عوادي الزمن ، فالتاريخ يثبت أن الانقطاع في الأقصى ليس إلا استراحة قبل انبعاث الفجر من جديد .
قائمة المصادر والمراجع التاريخية والتوثيقية :
ابن الأثير ، عز الدين ( ت 630 هـ ) : الكامل في التاريخ ، دار الكتب العلمية ، بيروت . ( انظر : ج 10 ، ص 189 - 194 في سقوط القدس ، وج 11 ، ص 540 - 550 في الفتح الصلاحي وتطهير المسجد ) .
العليمي ، مجير الدين ( ت 928 هـ ) : الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل ، مكتبة المحتسب ، عمان . ( انظر : ج 1 ، ص 270 - 285 في وصف المسجد تحت الاحتلال الصليبي ، وج 2 ، ص 34 - 50 في تفاصيل عودة الشعائر وترميم المنبر ) .
ابن شداد ، بهاء الدين ( ت 632 هـ ) : النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية ، دار الكتاب العربي ، القاهرة . ( انظر : الباب الخاص بفتح بيت المقدس ، ص 102 - 110 ) .
عارف العارف : تاريخ القدس ( المفصل في تاريخ القدس ) ، مطبعة المعارف ، القدس . ( انظر : ص 380 - 410 حول أحداث عام 1967 م والقيود المفروضة على المصلين ) .
الجعبري ، نظام : تاريخ الأوقاف الإسلامية في القدس تحت الاحتلال ، دراسة توثيقية حول سياسات المنع والإغلاق وأثرها على الديموغرافيا الدينية .
سجلات دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس : التقارير الموثقة لإغلاقات المسجد والبيانات الرسمية ( 1967 - 2026 م ) .