بعد شهورٍ طوالٍ حبست فيها المنطقة أنفاسها، خمدت أخيرًا أصوات المدافع، وصمتت طبول الحرب الإقليمية (مبدئيًا)، لتبدأ مرحلة قراءة المشهد وتفحّص الوجوه.
اليوم، ومع انقشاع غبار الأزمات، تنجلي الصورة بوضوحٍ لا يقبل التأويل: الأردن عصيّ على الانكسار، ثابتٌ في وجه العواصف.
لقد كانت الأيام الماضية "غربالًا" حقيقيًا للمواقف، فلم يبقَ في ذاكرة أبناء هذا الوطن العزيز إلا الأشاوس الذين لم تزلزلهم الإشاعات، ولم تُثنِ عزيمتهم التحديات؛ أولئك الذين وضعوا ثقتهم المطلقة في قيادتهم الهاشمية الحكيمة، مؤمنين بأن بوصلة الملك كانت دومًا تتجه نحو برّ الأمان وحماية المصالح الوطنية العليا.
فبينما راهن البعض على الفوضى، كان الأردنيون يلتفون حول رايتهم، مبرهنين أن الولاء ليس شعارًا، بل فعلٌ حيّ، وتلاحمٌ حقيقي بين الشعب والجيش والقيادة، التي تمثّل خط الدفاع الأول في وجه محاولات زعزعة الاستقرار الإقليمي.
كما أثبتت هذه الفترة العصيبة رجاحة العقل الأردني في إدارة الأزمات المعقّدة، بعيدًا عن الانفعالات العابرة.
إن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات، بل بسواعد الرجال الذين يعرفون معنى الوفاء حين تشتدّ الخطوب.
انتهت الجولة، وبقي الأردن شامخًا بمؤسساته، منيعًا بجيشه، وفيًا لقيادته.
واليوم، ندرك تمامًا أن من عبروا هذا المخاض بصدقٍ وانتماء هم وحدهم من يملكون حق صياغة مستقبل هذا الوطن؛ فالتاريخ لا يكتبه إلا المخلصون الذين لم يساوموا يومًا على ترابهم وقيادتهم.