في الوقت الذي يتركز فيه اهتمام العالم على وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، ومصير حركة الناقلات في مضيق هرمز، وأسعار خام برنت، تبدو أفريقيا من أكثر المناطق تضررًا من تداعيات الأزمة، رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا فيها. فالقارة السمراء، التي يقطنها نحو مليار ونصف المليار إنسان، تدفع اليوم كلفة اقتصادية وغذائية باهظة نتيجة أي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي.
وتعتمد العديد من الدول الأفريقية بشكل كبير على استيراد الوقود المكرر، ما يجعلها شديدة التأثر بأي صدمة سعرية ناجمة عن إغلاق مضيق هرمز. ومع تعطل الملاحة، سارعت حكومات أفريقية إلى اتخاذ إجراءات متباينة للتعامل مع الأزمة، شملت تقنين الوقود، وإعطاء الأولوية للنقل العام والخدمات الحيوية، إلى جانب رفع الأسعار في بعض الدول، قبل أن تضطر لاحقًا إلى تخفيض الضرائب والرسوم لاحتواء الأثر على المواطنين، فيما لجأت دول أخرى إلى مزج الوقود بالإيثانول لإطالة عمر المخزون المتاح.
غير أن الخطر الأكبر لا يقتصر على الطاقة، بل يمتد إلى قطاع الأسمدة الذي يمثل العمود الفقري للإنتاج الزراعي في القارة. ورغم أن أفريقيا تنتج نحو 30 مليون طن من الأسمدة سنويًا، إلا أن دول أفريقيا جنوب الصحراء ما تزال تستورد قرابة 90% من احتياجاتها من خارج القارة، بسبب ضعف البنية اللوجستية وارتفاع تكاليف النقل البري والحواجز التجارية بين الدول.
ومع عبور ثلث تجارة الأسمدة البحرية العالمية عبر مضيق هرمز، تحولت الأزمة الحالية إلى تهديد مباشر للمواسم الزراعية، خاصة في دول شرق أفريقيا. ففي إثيوبيا، يهدد اضطراب الشحن عبر البحر الأحمر وصول الإمدادات الحيوية، بينما تواجه كينيا نقصًا حادًا في الأسمدة مع انطلاق موسم زراعة الذرة، وسط تعطل الشحنات وتكدس ملايين الكيلوغرامات من الشاي في مستودعات ميناء مومباسا بسبب اضطراب سلاسل التوريد.
ويحذر خبراء الزراعة من أن المزارع الأفريقي يعمل أصلًا بأدنى مستويات التسميد عالميًا، ما يجعل أي نقص إضافي أكثر تأثيرًا على حجم المحاصيل. وتشير دراسات ميدانية إلى أن تأخر وصول الأسمدة في بداية الموسم قد يخفض إنتاج الذرة بنسبة تتجاوز 4%، وهو ما قد يعني بالنسبة لكثير من الأسر الفرق بين موسم يكفيها وموسم يقودها إلى الجوع.
ومع انتقال الأزمة من الحقول إلى الأسواق، ارتفعت كلفة النقل والري والتخزين والتوزيع، ما تسبب في زيادة أسعار الغذاء وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في الدول التي ينفق سكانها نسبة كبيرة من دخلهم على الغذاء والطاقة. كما أن استمرار الأزمة حتى منتصف العام قد يدفع ملايين إضافية إلى دائرة الجوع الحاد، في وقت تواجه فيه البنوك المركزية الأفريقية تحديًا مزدوجًا بين عودة التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي.
ورغم أن صمود وقف إطلاق النار قد يساهم في إعادة حركة الناقلات خلال أسابيع، إلا أن استعادة سلاسل إمداد الأسمدة وإيصالها إلى المزارعين تحتاج إلى وقت أطول، في وقت لا تنتظر فيه الأرض نتائج المفاوضات السياسية.
وتكشف هذه الأزمة بوضوح حجم هشاشة الأمن الغذائي الأفريقي، الذي بات مرتبطًا بمضيق استراتيجي بعيد عن حدود القارة، لا تملك فيه قرارًا ولا حضورًا على طاولة التفاوض، فيما تبقى الحقول والأسواق أول من يدفع ثمن أي تصعيد يمر عبره.