بمشاعر الحزن والامتنان، نستذكر وفاة البروفيسور الإيطالي إدوارد بروزاتي، أحد أبرز الباحثين الذين ارتبط اسمهم بمنطقة وادي رم وقرية الديسة، تاركًا خلفه إرثًا علميًا وإنسانيًا يعكس عمق العلاقة بين الإنسان والمكان.
بدأت هذه القصة في سبعينيات القرن الماضي، عندما زار البروفيسور بروزاتي منطقة وادي رم، فأسَرَته طبيعتها الخلابة وسحر صحرائها، ليقع في حب المكان وأهله. خلال تلك الزيارة، نشأت علاقة صداقة متينة بينه وبين شيخ المنطقة، المرحوم الشيخ جليل سودان الزوايده، الذي امتلك رؤية استشرافية مبكرة لأهمية الاستثمار في التراث الثقافي والسياحي.
وانطلاقًا من هذا الوعي، طلب الشيخ جليل من البروفيسور بروزاتي دراسة المنطقة بهدف إنشاء متحف سياحي يعزز المنتج المحلي ويحفظ الموروث الثقافي، لتكون وادي رم واحدة من أهم وجهات الجذب السياحي في العالم. وبالفعل، بذل البروفيسور جهودًا كبيرة، متحملًا قسوة الصحراء وحرارتها، حيث أجرى الأبحاث وجمع الأدوات والمواد التراثية اللازمة لتحقيق هذا الحلم.
ورغم هذه الجهود المخلصة، لا يزال مشروع المتحف السياحي في الديسة يواجه التعثر، إذ تم تسليم جميع الأدوات والبحوث إلى مخازن دائرة الآثار العامة، دون أن يرى المشروع النور حتى يومنا هذا، على الرغم من مطالب أهالي المنطقة المتكررة بإقامته.
إننا، كأبناء لمنطقة الديسة، نُقدّر عميق التقدير هذا الجهد النبيل الذي قدمه البروفيسور بروزاتي، والذي لم يكن مجرد عمل أكاديمي، بل كان تعبيرًا صادقًا عن علاقة إنسانية قائمة على الود والاحترام المتبادل مع أهل المنطقة. لقد أصبح، بما قدمه، واحدًا من أبناء هذه المدينة، محفورًا اسمه في ذاكرتها ووجدانها.
كما نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى جامعة فلورنسا الإيطالية على دعمها لهذا الجهد العلمي والثقافي، الذي أسهم في توثيق تاريخ المنطقة وتعزيز مكانتها السياحية.
وإذ نستذكر الشيخ جليل سودان الزوايده رحمه الله، فإننا نحيي رؤيته الثاقبة ووعيه المبكر بأهمية الاستثمار في التراث، وهي رؤية أثمرت اليوم عن المكانة العالمية التي تحظى بها وادي رم.
إن إقامة المتحف السياحي في الديسة لم تعد مجرد مشروع تنموي، بل أصبحت واجبًا وطنيًا وثقافيًا، ووفاءً لذكرى رجلين جمعتهما الصداقة وحب المكان: الشيخ جليل سودان الزوايده والبروفيسور إدوارد بروزاتي.
رحم الله الفقيد، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، لتبقى قصته شاهدًا على أن الوفاء للإنسان والمكان هو أعظم ما يخلّده التاريخ