تندرج تصريحات الرئيس الامريكي دونالد ترامب ضمن مدرسة "التفاوض بالإكراه". ادعاؤه تدمير 75% من القدرات الإيرانية أو تصفية ثلاثة صفوف من القيادة لا يجد له سنداً في التقارير الاستخباراتية الدولية المعلنة. تشير تقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن البنية التحتية العسكرية الإيرانية، وخاصة "المدن الصاروخية" تحت الأرض وشبكة المسيرات، مصممة بأسلوب "التوزيع العنقودي" الذي يجعل من شبه المستحيل تدميرها بضربة واحدة أو حتى حملة جوية محدودة. وما ظهور الزوارق السريعة في الخليج العربي ومضيق هرمز هو "رسالة اتصال استراتيجي" تهدف إلى إثبات أن منظومة القيادة والسيطرة (C2) لا تزال فعالة ولم تُشل كما تروج التصريحات الغربية.
يركز الخطاب السياسي الأمريكي على استراتيجية "الخلخلة" وصراع الأجنحة في طهران وان هناك صراع داخلي في صفوف القيادات الغير معروفة في إيران كما يصفها ترامب ورغبة في التفاوض معه. يرى مركز "كارنيغي" للسلام الدولي أن النظام الإيراني يمتلك "بروتوكول إدارة أزمات" يتجاوز الأشخاص. رغم وجود تباينات بين "التيار الإصلاحي" (المتمثل في الرئاسة حالياً) و"التيار المتشدد"، إلا أن ملفات الدفاع والسياسة الخارجية تظل بيد المرشد الأعلى والحرس الثوري. ويرى المحللون الاستراتيجيون أن طهران تتبع "الدبلوماسية الواقعية"؛ فهي تبدي رغبة في التفاوض لتخفيف العقوبات، لكنها لا تفعل ذلك من موقف "الانهيار"، بل من موقف "الندية المسلحة".
على الجانب الاخر يظهرالتصعيد الإسرائيلي الذي ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي فتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي حول "إعادة إيران للعصور الحجرية" تعكس عقيدة "الردع بالإنكار" و"الردع بالعقاب". والمعضلة الاستراتيجية التي تواجه إسرائيل وفقاً لتحليلات "فورين بوليسي"، أن أي هجوم "شامل" يتطلب دعماً لوجستياً وعملياتياً أمريكياً كاملاً. وواشنطن حتى الان تتردد في الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد تؤدي إلى انهيار أسواق الطاقة العالمية. ويعود وزير الدفاع الإسرائيلي الى نبرة تدمير الحضارة مقابل تدمير القدرات وهنا يبرز الفارق الكبير بين الخطاب الشعبوي (تدمير الحضارة) والخطط العسكرية (تدمير المنشآت النووية أو الصاروخية). الأخيرة ممكنة تقنياً لكنها "مكلفة استراتيجياً" لأنها ستؤدي حتماً إلى تفعيل "محور المقاومة" في المنطقة بالكامل.
تتفق معظم مراكز البحث العالمية على أننا نعيش حالة "حافة الهاوية المعرفية"، ويمكن تلخيص المشهد في النقاط التالية:
2.المرونة الإيرانية: أثبتت إيران قدرة عالية على "امتصاص الصدمات" الاقتصادية والعسكرية، معتمدة على استراتيجية "الدفاع اللامتناظر".
3.وهم الانهيار السريع: التاريخ العسكري المعاصر يثبت أن الأنظمة العقائدية لا تنهار بتصفية القيادات الصف الثاني أو الثالث، بل قد تزداد راديكالية.
خلاصة: إن التناقض بين تصريحات "الدمار الشامل" وظهور الحرس الثوري في الميدان يشير إلى أن "الردع الإيراني" لا يزال قائماً، وأن التصريحات الأمريكية والإسرائيلية هي جزء من "الحرب النفسية" المصاحبة لإعادة رسم موازين القوى. الحليم لا يحار إذا أدرك أن "قوة التصريح لا تعكس بالضرورة حتمية التنفيذ"، فالميدان محكوم بحسابات الخسارة والربح، وليس بالخطابات الرنانة.