في ذكرى وفاتك يا أبي الحاج سليمان سلامه النصيرات، يعود هذا اليوم محمّلًا بكل ما عشته بعد رحيلك من حنينٍ لا يهدأ، واشتياقٍ لا يعرف النهاية. منذ رحلت في عام 2004، والوقت يمضي، والسنون تتوالى، لكن غيابك لم يصبح يومًا أمرًا عاديًا، ولم يعتد القلب على فكرة أن يكون الأب ذكرى بعد أن كان وطنًا وسندًا وحياة.
في مثل هذا اليوم، لا أستعيد فقط لحظة الفقد، بل أستعيد عمري معك… صوتك، ملامحك، نصائحك، دعواتك، تفاصيلك الصغيرة التي كانت تبدو عابرة، لكنها اليوم تشكّل أعظم ما أملك من بقاياك الجميلة. أستعيد ضحكتك التي كانت تزرع الطمأنينة، ونظرتك التي كانت تمنحني القوة، ويدك التي كانت إذا امتدت نحوي شعرتُ أن العالم كله بخير.
أبي، منذ رحيلك وأنا أدرك أن بعض الغياب لا يُعوَّض، وأن هناك فراغًا لا يملؤه أحد مهما حاولت الأيام أن تخفف وطأته. رحلتَ أنت، لكنك تركت في داخلي أشياء لا ترحل؛ تركت قيمك، ومبادئك، وكلماتك التي ما زالت ترشدني كلما تعثرت، وكأنك رغم الغياب ما زلت تمسك بيدي كي لا أسقط.
أشتاق إليك في كل المواقف؛ حين أنجح وأتمنى لو كنت أول من يفخر بي، حين أتعب وأحتاج حضنك الذي كان يختصر الأمان، حين تضيق بي الحياة فأبحث عن صوتك فلا أجد سوى الصدى في الذاكرة. أشتاق إليك في المناسبات، في الأيام العادية، في لحظات الفرح التي ينقصها وجودك، وفي لحظات الحزن التي لا يخففها إلا دعاؤك الذي انقطع من الدنيا وبقي أثره في روحي.
مرت سنوات طويلة منذ عام 2004، لكنها لم تكن كافية لأنساك، وكيف يُنسى الأب وهو أول حبٍّ عرفه القلب، وأول بطلٍ رأته العين، وأول سندٍ احتمت به الروح؟ أنت لم تكن شخصًا عابرًا في حياتي، بل كنت الحياة نفسها في أجمل صورها. كنت الجدار الذي أستند إليه دون خوف، والظل الذي احتمي به من قسوة الأيام، والنور الذي يهديني إذا أظلم الطريق.
أبي الحبيب، ليت الغياب كان سفرًا قصيرًا، وليت الموت مجرد مسافة يمكن تجاوزها. لكن عزائي أنك عند ربٍّ رحيم، وأن الدعاء يصل، وأن الحب لا يقطعه الموت. لذلك ما زلت أرفع يدي في كل حين، أسأل الله أن يرحمك رحمةً واسعة، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعني بك في دارٍ لا فراق فيها ولا ألم.
في ذكراك، لا أبكي لأنك رحلت فقط، بل لأن جزءًا مني رحل معك، ولأن الحياة بعدك لم تعد كما كانت. ومع ذلك، سأظل أحمد الله أنني كنت ابنًا لرجلٍ مثلك… رجلٍ علّمني المعنى الحقيقي للقوة، والكرامة، والرحمة. سأظل أحملك في دعائي، وفي قلبي، وفي كل خطوة أخطوها، لأنك لست ماضيًا أنساه، بل روحًا تسكنني ما حييت.
رحمك الله يا أبي بقدر ما اشتقت إليك، وبقدر ما تركت في حياتي من نورٍ لا ينطفئ، وبقدر كل لحظة أحتاجك فيها ولا أجد سوى الدعاء. سلامٌ عليك في قبرك، وسلامٌ على روحك الطاهرة، وسلامٌ عليك في كل ذكرى تعود لتخبرني أن الأب لا يغيب أبدًا عن قلب أحبّه بصدق.
ستبقى يا أبي أجمل دعاء، وأوجع ذكرى، وأعظم رجلٍ عرفته حياتي… رحمك الله حتى يرضى، ورحم قلبًا ما زال ينتظرك في كل يوم.