في مشهدٍ مهيبٍ يختلط فيه الحزن بالفخر، ودّعت محافظة العقبة يوم أمس أحد أعمدتها التربوية، الأستاذ جهاد الفران، الذي لم يكن مجرد معلم أو قائد تربوي، بل كان مدرسةً قائمةً بذاتها، ومثالًا يُحتذى في العطاء والإخلاص.
رحل الجسد، لكن الأثر باقٍ… فقد كان الفقيد صاحب رسالةٍ سامية، حمل أمانة التعليم بكل ما فيها من مسؤولية، ومضى بها بإيمانٍ عميق بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمارٍ في الحياة. لم يكن التعليم بالنسبة له وظيفةً تؤدى، بل رسالة تُعاش، وسلوك يُترجم في كل موقف، فكان قريبًا من طلبته، سندًا لزملائه، وركنًا ثابتًا في مسيرة التربية والتعليم في العقبة.
تميّز الأستاذ جهاد الفران بأداءٍ تربوي راقٍ، وبروحٍ قيادية ملهمة، جعلته حاضرًا في كل مبادرة، ومبادرًا في كل موقف، يسعى للتطوير، ويؤمن بأن التغيير يبدأ من داخل الصف، ومن قلب المعلم. ترك بصماته الواضحة في كل موقع عمل فيه، فكان له دورٌ بارز في الارتقاء بالبيئة التعليمية، وغرس القيم النبيلة في نفوس الأجيال.
وعلى الصعيد الشخصي، أعتز بأن علاقتي المهنية معه بدأت في عام 2018، حين تواصل معي بتزكية من الدكتورة ميسون، وطلب مني العمل معه، فكانت تجربة ثرية ومميزة عملنا خلالها ضمن أحد البرامج الأكاديمية في جمعية بير السبع، وقد شكّلت تلك الفترة محطة مهمة في مسيرتي لما حملته من خبرات عميقة ونهج تربوي متميز.
وخلال تلك الفترة، وفي كل لقاءٍ كان يجمعنا، كان يناديني بكلماتٍ لا تُنسى: "أستاذتنا الكبيرة… أم التربويات”، وهي كلمات بقيت عالقة في الذاكرة، لا لما تحمله من تقديرٍ شخصي فحسب، بل لما تعكسه من سمو أخلاقه وتواضعه الكبير. فرغم كونه تربويًا من الطراز الأول، وصاحب خبرة ومكانة، إلا أنه لم يُقلّل يومًا من قيمة أي تربوي، بل كان يرفع من شأن الجميع، ويمنحهم الثقة والدعم، في صورةٍ نادرة لقائدٍ يُعلي من حوله قبل أن يُعلي من نفسه.
لمست عن قرب إنسانيته الراقية، واهتمامه الحقيقي بزملائه، ودعمه المستمر لهم، فكان قائدًا يُلهم من حوله، ويزرع فيهم الحماس والثقة. وقد ترك في نفسي، كما في نفوس كثيرين، أثرًا طيبًا لا يُنسى، فله مني كل الاحترام والتقدير.
ورغم ابتلائه بمرضٍ عضال، لم ينكفئ عن رسالته، بل ازداد صبرًا وثباتًا، وكأن المرض لم يكن إلا اختبارًا زاده قوةً وإصرارًا. واجهه بإيمانٍ ورضا، واستمر في عطائه حتى آخر لحظات حياته، ليُجسّد أسمى معاني الصبر والتفاني.
إن رحيل هذه القامة التربوية خسارة لا تُعوّض، ليس للعقبة فحسب، بل لكل من عرفه وتتلمذ على يديه أو عمل معه. ومع ذلك، تبقى سيرته العطرة نبراسًا يُنير الدرب، وذكرى طيبة تُروى، وأثرًا حيًا في قلوب محبيه.
رحم الله الأستاذ جهاد الفران رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه والأسرة التربوية الصبر والسلوان.