في الثالث من مايو، أشرقت ذكرى ميلاد شخصية استثنائية حملت إرث القائد الراحل الملك الحسين بن طلال، واستمدّت من نهجه أسمى معاني الإنسانية والعطاء. إنها صاحبة السمو الملكي الأميرة هيا بنت الحسين، التي جعلت من الرحمة رسالة حياة، ومن الوقوف إلى جانب الإنسان نهجًا ثابتًا لا تحكمه مناسبة ولا تسلط عليه الأضواء.
وقد شاءت لي الظروف أن أكون قريبًا من العديد من محطاتها الإنسانية، وأن أعايش عن قرب مواقف يصعب على الذاكرة أن تنساها مهما تعاقبت السنوات. هناك، بعيدًا عن عدسات الإعلام وضجيج المشهد، كانت الإنسانية تتجلّى بأصدق صورها وأنقاها.
ومن أكثر المواقف رسوخًا في وجداني، ما شهدناه خلال كارثة زلزال هايتي، وسط الدمار وآلام العائلات المنكوبة. كان هناك طفل يستعد للعودة إلى الأردن برفقة والده، فيما بقيت والدته — التي كانت تعمل ضمن بعثة الأمم المتحدة — بعيدة عنه وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة. كانت تتابع ذلك المشهد المؤلم والدموع تملأ عينيها، في لحظةٍ عجزت فيها الكلمات عن التعبير عن حجم الألم الإنساني. ولم تهدأ سموّها حتى سخّرت كل ما تستطيع من جهود ليجتمع الطفل بوالدته من جديد، في موقف إنساني نادر امتزجت فيه مشاعر الألم بالأمل، وتجسدت فيه أسمى معاني الرحمة.
ولم يكن ذلك الموقف استثناءً، بل كان انعكاسًا حقيقيًا لطبيعتها الإنسانية الأصيلة. فمن خلال دورها كسفيرةٍ للنوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة، جابت سموّها مناطق النزاعات والكوارث والفقر في أنحاء متعددة من العالم، من هايتي إلى كينيا وإثيوبيا وغيرها، حاملةً رسالة أملٍ ودعم للمتضررين، ووقفةً صادقة إلى جانب اللاجئين والمرضى والأطفال.
وهناك مواقف كثيرة شهدتها شخصيًا، يصعب أن يحتويها مقال واحد، لأن بعض العطاء أكبر من أن تختصره الكلمات، وبعض الإنسانية أعمق من أن تصفها العبارات. لكن ما يمكن قوله بكل صدق، إن صاحبة السمو الملكي الأميرة هيا بنت الحسين كانت وما تزال نموذجًا حيًا للرحمة، والقرب من الناس، والإحساس الحقيقي بمعاناتهم.
وفي يوم ميلادها، لا يسعنا إلا أن نتضرع إلى الله أن يمنّ عليها بموفور الصحة والسعادة وراحة البال، وأن يجزيها خير الجزاء على ما قدمته من مواقف إنسانية ستبقى راسخة في ذاكرة كل من عرفها أو لمس أثر عطائها النبيل.