داود حميدان – قالت الدكتورة رهام غرايبة، المتخصصة في سلاسل الإمداد الصحية، إن الأمن الدوائي بات يشكل أحد أهم ركائز الأمن الصحي والاقتصادي في الدول، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
وأوضحت غرايبة أن التوترات المتصاعدة في منطقة مضيق هرمز كشفت حجم الاعتماد العالمي على الممرات البحرية الحيوية في نقل المواد الخام الدوائية والمستحضرات الطبية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة مؤثراً بشكل مباشر على توفر الأدوية واستقرار الأسواق الصحية.
وأضافت أن سلاسل الإمداد الدوائية تعتمد على منظومة معقدة وعابرة للحدود، تبدأ من إنتاج المواد الخام في دول معينة، مروراً بعمليات التصنيع في دول أخرى، وصولاً إلى التوزيع العالمي، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب لوجستي أو أمني.
وبيّنت غرايبة أن أي تعطّل في حركة الشحن أو ارتفاع في تكاليف النقل والتأمين ينعكس سريعاً على توفر الأدوية، خصوصاً الأدوية الحيوية والمزمنة مثل أدوية القلب والسكري والأورام، إضافة إلى المضادات الحيوية.
وأشارت إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية يضاعف من كلفة الإنتاج الدوائي والتخزين والنقل، ما يشكل عبئاً إضافياً على الأنظمة الصحية، خاصة في الدول ذات الموارد المحدودة.
ولفتت إلى أن من أبرز التحديات أيضاً ضعف الاكتفاء الذاتي الدوائي في العديد من الدول، واعتمادها الكبير على الاستيراد، الأمر الذي يزيد من هشاشة الأمن الدوائي عند حدوث أي أزمات في سلاسل الإمداد العالمية.
كما حذرت من المخاطر المرتبطة بسلسلة التبريد الدوائي، خاصة فيما يتعلق باللقاحات والأدوية الحساسة، إذ إن أي تأخير في النقل أو التخزين قد يؤدي إلى تلف هذه المستحضرات وفقدان فعاليتها العلاجية.
وأضافت أن الأزمات غالباً ما تخلق بيئة خصبة لانتشار الأدوية المغشوشة والسوق غير الرسمي، نتيجة نقص المعروض، ما يشكل خطراً مباشراً على صحة المرضى وسلامة النظام الصحي.
وأكدت غرايبة أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تبني سياسات وطنية واضحة لتعزيز الأمن الدوائي، من خلال تنويع مصادر الاستيراد، وزيادة المخزون الاستراتيجي من الأدوية الأساسية، إلى جانب دعم التصنيع المحلي.
وشددت على أهمية تطوير أنظمة إنذار مبكر لرصد أي اضطرابات محتملة في سلاسل التوريد، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لضمان مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.
وختمت بالقول إن الأمن الدوائي لم يعد قضية صحية بحتة، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي، ما يستدعي تخطيطاً استباقياً يضمن استمرارية توفر الدواء في مختلف الظروف.