تتقاطع المؤشرات الراهنة لتضع ملف اللجوء السوري في الأردن أمام منعطف حاسم؛ فبين وطأة الضغوط الاقتصادية المتزايدة الناجمة عن تراجع التمويل الدولي للمملكة، والملامح التدريجية للاستقرار الأمني في سوريا، يبرز انقضاء العام الدراسي الحالي كمحطة مفصلية قد تدفع بالعديد من العائلات نحو خيار «العودة الطوعية»، وعلى الرغم من سنوات التكيف الطويلة والبيئة الآمنة التي وفرها الأردن للاجئين، إلا أن تدهور الظروف المعيشية وأزمة السكن في بلد اللجوء، يقابلهما بدء جهود إعادة الإعمار في الداخل السوري، صاغا معادلة جديدة كلياً؛ معادلة تتأرجح فيها قرارات الأسر بين الرغبة في الاستقرار في الوطن الأم، وتحديات تأمين مقومات الحياة الأساسية فيه.
وفي سياق الأرقام الرسمية لثمرة هذه التحولات، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن أن أكثر من 190 ألف لاجئ سوري مسجل قد عادوا إلى بلادهم منذ الثامن من كانون الأول 2024، في حين تجاوز عدد العائدين منذ مطلع العام الحالي حاجز الـ 16 ألف لاجئ.
في هذا السياق، يوضح عضو مجلس النواب الأسبق، د. هايل الدعجة، أن قرار العودة بالنسبة إلى اللاجئ السوري يتوقف على العامل الأمني في سوريا والوضع الاقتصادي والمعيشي في الأردن وكذلك في سوريا.
وقال: أمنيا يمكن القول إن سوريا بدأت تشهد تطورا ملحوظا في هذا المجال بطريقة أسهمت في توفير أجواء آمنة ومشجعة على العودة، أما من الناحية الاقتصادية ومع تراجع الاستجابة الدولية والتمويل الدولي فيما يخص ملف اللاجئين، فإن ذلك قد ترك آثاره السلبية على اللاجئ السوري في الأردن الذي يواجه صعوبات في توفير مصادر مالية وأجواء اقتصادية يمكنها أن تعينه على التفكير بالبقاء في الأردن.
وبين الدعجة أنّ تكيف اللاجئ السوري واعتياده على العيش في الأردن وسط أجواء آمنة ومريحة دون وجود أي معوقات أو مضايقات من أكبر العوامل التي تجعله يغض النظر عن العودة، إلا أنه مع الوقت يفكر بالعودة إلى وطنه، الذي هو بيته ومستقبله.
وختم الدعجة بالقول: إن الموقف الأردني من موضوع اللاجئين السوريين يندرج في إطار العودة الطوعية، مراعياً الحالة الانتقالية التي تمر بها سوريا الشقيقة، والتي تتطلب الوقوف إلى جانبها بما يتوافق والموقف الأردني الذي يؤكد حرصه على سلامة سوريا وأمنها واستقرارها ووحدة أراضيها.
من جانبها بينت أستاذة العلوم السياسية د. رشا مبيضين أنّ المؤشرات الحالية تظهر احتمال ارتفاع أعداد اللاجئين السوريين العائدين من الأردن إلى سوريا مع انتهاء العام الدراسي وبدء العطلة الصيفية، في ظل رغبة العديد من الأسر السورية بتجنب تعريض أبنائها للانقطاع عن التعليم أو خسارة عام دراسي كامل.
وأوضحت: خلال السنوات الماضية، فضّلت أعداد كبيرة من اللاجئين تأجيل قرار العودة إلى ما بعد انتهاء العام الدراسي، حرصًا على استكمال أبنائهم لمراحلهم التعليمية في المدارس الأردنية، ويُتوقع أن يشكل انتهاء الدراسة هذا العام عاملًا إضافيًا يدفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرار العودة خلال الأشهر المقبلة.
وأضافت مبيضين أنه رغم تزايد الرغبة لدى العديد من اللاجئين بالعودة إلى بلادهم، إلا أن هذا القرار لا يرتبط بالعامل التعليمي وحده، بل يتأثر بشكل مباشر بمدى توافر مقومات الحياة الأساسية داخل سوريا.
ولفتت مبيضين إلى أن أزمة السكن تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الراغبين بالعودة، إذ تعرضت آلاف المنازل للدمار أو لأضرار متفاوتة خلال سنوات الحرب، الأمر الذي يحول دون عودة العديد من الأسر التي لا تمتلك مساكن صالحة للسكن أو القدرة على إعادة تأهيلها، كما يظل عامل الأمن عنصرًا حاسمًا في قرارات العودة. ماجدة أبو طير "الدستور"