ما بين النكبة والنكسة ليس أياماً أو نحو عشرين عاماً تفصل إحداهما عن الأخرى، بل حرف واحد هو الباء، ذلك الحرف الذي صنع "البعبع الذي لا يُقهر" عام 1948؛ البعبع الذي اشتهر استخدامه وسيلةً لدى الأجداد لفرض الاستسلام لوقت النوم. لكن الأجيال نفسها أوهمت نفسها بالخضوع للأمر الواقع، فاستطاع ذلك البعبع أن يستبدل الباء بحرف السين، ليغرس سكينه أكثر في قلب الأمة العربية وينفذ المخططات التي وجد وصُنع لأجلها.
غير أن العروبة أبت أن تنحني أو أن تضيع دماء شهدائها؛ شهداء أمتنا العربية وشهداء جيشنا العربي الذين ضحوا بأرواحهم ورووا بدمائهم ثرى القدس وأسوارها في باب الواد واللطرون وجبل المكبر. وبعد عام واحد فقط، جاء يوم الكرامة عام 1968 ليكشف حقيقة ذلك الوحش الخرافي، وليثأر من أسطورته، وليظهر الحجم الحقيقي لذلك الكيان الذي ضاعفت السينما الغربية الاستعمارية والصحافة الممنهجة من صورته، وساهمت بعض وسائل الإعلام العربية المضللة، بصورة غير مباشرة، في ترسيخها عبر خطاب عاطفي مشحون بالأحداث.
كانت الكرامة أولى محطات إعادة صناعة الإرادة العربية، وإحياء عقيدتها القائمة على الحق والإيمان بالقضية وحتمية الانتصار. ولم يكن ذلك الانتصار بعيداً، إذ جاءت حرب رمضان ـ أكتوبر المجيدة عام 1973 لتوقظ المارد العربي، وتعزز سقوط أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، بعدما هُدمت تحصينات خط بارليف خلال ساعات، الأمر الذي أحدث تحولاً في زاوية الرؤية العربية لمعادلة الصراع العربي الإسرائيلي، سواء من المنظور العسكري أو السياسي التفاوضي، ومن حيث القدرة على الموازنة بينهما حتى يومنا هذا .
أن ما نشهده اليوم من صمود اسطوري للشعب الفلسطيني في غزة لهو أحد الأمثلة الواضحة لكسر السلوك مغاير لما كان في النكبة أو النكسة ، ليكون العنوان العريض الصمود ثم الصمود .
إن مستجدات القضية الفلسطينية منذ النكسة، بمختلف مراحلها وأشكالها، سواء اتسمت بالتصعيد أو اتجهت نحو التهدئة، حملت جميعها رسالة واحدة في غاية الأهمية مفادها:
"إن أمنكم هش ما دمتم تعملون على زعزعة سلامنا واستقرار دول منطقتنا العربية."
لماذا على العرب أن يتذكروا هذا اليوم؟
منذ نكسة عام 1967 وحتى اليوم، تتعرض الأمة العربية لهجوم متواصل بمختلف أنواع الأسلحة: العسكرية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية والثقافية والإلكترونية، في حين لم تُحسن في كثير من الأحيان استخدام أدوات المواجهة، واكتفت بالشجب والاستنكار ورفع الشعارات الحماسية.
لقد عاشت الأمة وهم تجاوز الهزيمة من خلال التمسك بمعادلة لا تقبل إلا بنتيجة صفرية، دون محاولة جادة لفهم أدوات الطرف الآخر وفكره وآليات عمله. ولم يكن تفوقه نابعاً فقط عم ذكاءه أو مكره و دعم القوى الإمبريالية في تعزيز إمكاناته، بل أيضاً من عنادنا و إصرارنا على البقاء على ما نحن عليه، دون مراكمة الخبرة أو الإعداد الجاد للمواجهة، فكانت النتيجة في الحاضر ، كل مرة مزيداً من الخسائر السالبة من نحت خط الصفر ومزيداً من الأعباء على مستقبل الأجيال القادمة.
لماذا على العرب أن يتذكروا؟
لأنهم ما زالوا أمة متناحرة ومتباعدة، أسقطت من قاموسها مفهوم وحدة الصف العربي، حتى في حدوده الدنيا المتمثلة بالتنسيق المشترك، وما زالت تعيش على أمجاد الماضي، وتنكر حقائق الواقع ومتطلباته.
لماذا عليهم أن يتذكروا؟
لأنهم يعيشون أضعف حالات التضامن العربي والتعاون المشترك.
لماذا عليهم أن يتذكروا؟
لأنهم يعيشون أشد حالات الانقسام الطائفي والمذهبي والوطني.
لماذا عليهم أن يتذكروا؟
لأن أمتنا العربية ما زالت مقسمة إلى دول يكيد بعضها لبعض، ويكشف بعضها ظهر بعض، ويقدم لعدوه ما يعينه على كسر عظم إرادة كل من يحاول النهوض من أبناء جلدته مجانا ، قرباناً لتحالفات يظن أنها ضمانة لأمنه واستقراره.
لقد تُرك العراق، ثم السودان ، ثم ليبيا، ثم سوريا، ثم لبنان ، وها هو الأردن اليوم يواجه المخططات الصهيونية المقبلة وحيدا ، كما ترك من قبل، واقفا على أسوار القدس مدافعاً عنها.
ناموا أيها العرب ناموا...
فما فاز إلا النوم.
وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.
إن بداية انتصارنا وتحرير أرضنا تكمن في سر وحدتنا، وفي حماية سيادتنا واستقلال قرارنا السياسي.