لا يقاس استقرار الدول بمساحتها الجغرافية أو بوفرة مواردها الطبيعية بل بقدرتها على صياغة معادلة قوة داخلية متماسكة تجعل منها رقما صعبا وعصيا على الابتلاع في إقليم يموج بالاضطرابات وفي ذكرى الجلوس الملكي السابع والعشرين يقف الأردن في طليعة هذا النموذج كدولة ترسخ أقدامها بعقيدة سياسية وأمنية صلبة متجاوزة كافة التعقيدات الجيوسياسية المحيطة بها وهذا الثبات الأردني ليس وليد الصدفة بل هو نتاج تلاحم استراتيجي فريد يشكل فيه جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم والشعب الأردني الواعي والجيش العربي والأجهزة الأمنية رؤوس حربة ثلاثة تندمج معا لتدفع بالدولة نحو التقدم والازدهار ليكون هذا العيد محطة فخر وطنية تؤكد عمق الإنجاز ومواصلة البناء والتميز
إن قراءة المشهد الأردني بالتزامن مع العيد السابع والعشرين للجلوس الملكي تقتضي تفكيك عناصر قوته الذاتية التي مكنته من الحفاظ على أمنه وبناء نهضته في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد حيث تمثل القيادة الملكية الهاشمية صمام الأمان والعمود الفقري للاستقرار التاريخي والدستوري وإن احترام العالم والأمم لشخص جلالة الملك وللنظام الملكي الأردني يعود إلى الحكمة والدبلوماسية الاستباقية والتوازن الإستراتيجي الذي يمارسه الأردن مما جعله لاعبا محوريا لا يمكن تحديده أو تجاوزه في قضايا المنطقة والعالم ويتكامل هذا الدور مع وجود الشعب الأردني كشعب متسلح بالوعي الوطني يدرك حجم التحديات المحيطة به ويمتلك من الخبرات والكفاءات البشرية ما يجعله المحرك الأساسي للتنمية ليكون وعي المواطن وتماسكه هو حجر الزاوية الذي تتكسر عليه كل محاولات زعزعة الاستقرار بموازاة الجيش العربي والقوى الأمنية الذين هم حماة الثغور وسياج الوطن ولم يكن الجيش العربي يوما مجرد قوة دفاعية بل هو مدرسة في الانضباط والبناء والذراع الضاربة الساهرة على صون المنجزات مما يوفر البيئة الآمنة التي تتيح للاقتصاد والسياسة أن يتحركا بحرية وثقة
ويعبر الأردن في هذا العام محطة التحديث الشامل وهو لا يكتفي بالدفاع عن وجوده بل يعيد صياغة بنية الدولة التحتية والسياسية والاجتماعية عبر مسارات متطورة ومترابطة يدا بيد مع القائد حيث يعيش الأردنيون اليوم مرحلة متقدمة من التطور السياسي القائم على المأسسة والبرامجية بوجود الأحزاب السياسية الفاعلة والبرلمان القوي والتناغم بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية لتتبلور جبهة داخلية مسؤولة فهذه السلطات والأحزاب لا تعمل بمعزل عن الرؤية الملكية بل هي المعاون والشريك التنفيذي والرقابي الذي يترجم تطلعات القائد والشعب إلى تشريعات وسياسات تخدم التطور والنماء بالتزامن مع الاعتماد على الذات والنمو الاقتصادي فبالرغم من الكلف الباهظة للأزمات الإقليمية يتسلح الأردن برؤية التحديث الاقتصادي التي تركز على إطلاق الطاقات الكامنة وجلب الاستثمارات والتحول نحو الاقتصاد الرقمي والمعرفي مستفيدا من شبكة علاقاته الدولية الواسعة لضمان تحقيق حياة كريمة ومستقرة للمواطن
إن ميزة النظام الملكي المستقر في الأردن منحت الدولة مصداقية دولية جعلت منها صوتا للعقل والحكمة والعدالة في المحافل العالمية فالأردن لا يقف على هامش الأحداث بل يقود الجهود الدبلوماسية والإنسانية للدفاع عن قضايا الأمة وفرض التهدئة وصياغة حلول إقليمية ترتكز على القانون الدولي وحقوق الشعوب مما أكسب القيادة الهاشمية احتراما دوليا منقطع النظير وبناء على ذلك فإن الاحتفال بالجلوس الملكي السابع والعشرين ليس مجرد مراسم بروتوكولية بل هو وقفة عز لمراجعة المسيرة وشحن الهمم وإن تجسيد التطور والوصول إلى مستويات أعلى من الازدهار يتطلب استمرار هذا الترابط العضوي بين رؤوس الحربة الثلاثة فعندما يلتقي فكر القائد المستنير وعزيمة الشعب الحي وقوة الجيش والأمن الباسل تذوب كافة التحديات الجيوسياسية ويمضي الأردن نحو مستقبله بخطى واثقة شامخا وآمنا ومزدهرا