2026-06-11 - الخميس
الجبور يكتب المشاركة الأردنية في كأس العالم بين الواقع والطموح nayrouz الفايز يكتب :"مجلس شيوخ العشائر الأردنية… ضرورة وطنية" nayrouz رئيس القضاء الإيراني: سندق المسمار الأخير في نعش أمريكا بالمنطقة nayrouz لأول مرة في تاريخ كأس العالم.. ثلاث حفلات افتتاحية في ثلاث دول مستضيفة nayrouz مصر تدين الاعتداءات الإيرانية المتكررة على الأردن والبحرين والكويت nayrouz مطالبة نيابية بإعادة النظر في رواتب التقاعد المبكر nayrouz لجنة الامتحانات في مديرية تربية المزار الشمالي تلتقي مندوبي المديرية المشاركين في امتحانات الثانوية العامة nayrouz مدير عام الهيئة الهاشمية للمصابين العسكريين يبحث في العقبة تعزيز الشراكات لخدمة المصابين العسكريين nayrouz ابو جاموس تكتب تجتمع اعياد الوطن ومناسباته ..يتجدد العهد قراءة في ثلاثية الدولة الاردنية nayrouz عاجل | قطر تدين الهجمات الإيرانية على الأردن والبحرين والكويت وتدعو لخفض التصعيد nayrouz وزير الطاقة يقود جولة استثمارية في واشنطن لتعزيز الشراكة الأردنية الأميركية nayrouz وزيرة التنمية تبحث مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة تعزيز التعاون بالمجالات الاجتماعية nayrouz تحت الرعاية الملكية السامية مهرجان جرش للثقافة والفنون ينطلق في دورته الأربعين تحت شعار "إرثٌ يمتدّ .. أجيالٌ تلتقي" nayrouz المشهراوي يكتب عن مجلس النواب الأردني ومستقبل التحديث السياسي nayrouz وزير الطاقة: تطوير حقل الريشة يشمل حفر 80 بئرا وخط أنابيب للربط مع الغاز العربي nayrouz محمود عيد يهنئ جلالة الملك وولي العهد بمناسبة عيد الجلوس الملكي ويوم الجيش والثورة العربية الكبرى nayrouz مقتل 3 بحارة هنود فقدوا إثر غارة أميركية على ناقلة قبالة عُمان nayrouz البري يكتب في الذكرى العاشرة بعد المئة للثورة العربية الكبرى: مسيرة مستمرة nayrouz إسلام آباد تدعو إلى "تسوية بالتفاوض" بين واشنطن وطهران بعد "التصعيد الأخير" nayrouz الفاهوم يكتب تدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.. معادلة تستنزف الإنسان وتُرهق الاقتصاد nayrouz

الفاهوم يكتب تدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.. معادلة تستنزف الإنسان وتُرهق الاقتصاد

{clean_title}
نيروز الإخبارية :


الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

ليست مشكلة الأجور المتدنية مجرد قضية مالية بين موظف وصاحب عمل، كما قد يظن البعض، بل هي قضية تنموية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية تمس استقرار المجتمع بأكمله. فحين لا يتناسب الأجر مع الجهد المبذول أو المؤهلات المطلوبة أو تكاليف المعيشة الحقيقية، فإن الخلل لا يبقى محصوراً داخل جدران المؤسسة، بل يمتد أثره إلى الأسرة والسوق والإنتاجية والاستقرار الاجتماعي.

لقد قامت فلسفة العمل الحديثة على مبدأ بسيط مفاده أن الأجر ليس ثمن الوقت فقط، بل هو مقابل القيمة التي يضيفها الإنسان للمؤسسة. ولذلك فإن المؤسسات الناجحة عالمياً لا تنظر إلى الرواتب باعتبارها تكلفة يجب تخفيضها، بل استثماراً يجب تعظيم عوائده. أما حين تتحول سياسة الأجور إلى سباق نحو الحد الأدنى، فإن المؤسسة تبدأ عملياً بتقويض أسس نجاحها بنفسها.

في العديد من بيئات الأعمال المعاصرة أصبح من المألوف أن نجد إعلانات وظيفية تطلب خبرات طويلة ومهارات متعددة ومسؤوليات واسعة مقابل أجور لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للموظف. بل إن بعض المؤسسات أصبحت تخلط بين الحوافز والراتب الأساسي بطريقة تجعل دخل الموظف الحقيقي أقل بكثير مما تم الإعلان عنه. والأسوأ من ذلك أن بعض أصحاب العمل يعتقدون أن وفرة الباحثين عن العمل تمنحهم الحق في فرض شروط غير عادلة أو أجور لا تتناسب مع طبيعة الوظيفة ومتطلباتها.

ومن المفارقات المؤلمة أن كثيراً من المؤسسات التي تسعى لتقليل الرواتب بحجة خفض النفقات تتجاهل أن تكلفة دوران الموظفين، وإعادة التوظيف، والتدريب المستمر، وفقدان الخبرات، غالباً ما تكون أعلى بكثير من تكلفة منح رواتب عادلة منذ البداية.

ولعلنا نجد أمثلة واقعية عديدة في مختلف القطاعات. فهناك خريجون جامعيون أمضوا سنوات في الدراسة والتدريب ثم يجدون أنفسهم أمام عروض عمل بالكاد تغطي تكاليف النقل. وهناك مديرو مبيعات أو مختصون في التسويق أو البرمجيات أو الهندسة يحملون سنوات من الخبرة لكنهم يعملون بأجور لا تعكس القيمة الحقيقية التي يضيفونها لمؤسساتهم. وفي المقابل نجد شركات عالمية كبرى أدركت مبكراً أن الاستثمار في الموظف هو الطريق الأقصر للربحية المستدامة، فرفعت أجورها وحسّنت مزاياها الوظيفية، فكانت النتيجة ارتفاع الولاء الوظيفي وزيادة الإنتاجية وتحسن جودة الخدمات والمنتجات.

إن الموظف الذي يقضي يومه منشغلاً بكيفية تسديد إيجار منزله أو توفير احتياجات أسرته الأساسية لن يمتلك المساحة الذهنية الكافية للإبداع أو الابتكار أو التفكير الاستراتيجي. فالاحتياجات الأساسية غير المشبعة تستهلك الطاقة النفسية والعقلية للإنسان وتجعله يعمل بمنطق البقاء لا بمنطق الإنجاز.

ومن هنا تبدأ سلسلة من الآثار السلبية المتراكمة. فالأجور المتدنية تدفع أصحاب الكفاءات إلى الهجرة أو البحث عن فرص بديلة، وتؤدي إلى ارتفاع معدلات التنقل الوظيفي، وتضعف الانتماء المؤسسي، وتزيد من ظواهر العمل الإضافي غير المنظم، بل وقد تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن مصادر دخل غير رسمية أو غير مستقرة. ومع مرور الوقت تتراجع جودة الخدمات والإنتاج، ويصبح الاقتصاد أقل قدرة على المنافسة واستقطاب الاستثمارات النوعية.

أما على المستوى المجتمعي، فإن ضعف الأجور يسهم في اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، ويؤخر تكوين الأسر الجديدة، ويقلل القدرة الشرائية للمواطنين، ويؤثر سلباً على قطاعات التجارة والإسكان والتعليم والصحة. فالموظف الذي لا يملك فائضاً مالياً للإنفاق لن يكون قادراً على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل عام.

وهنا يبرز الدور المحوري للحكومات. فالحكومة ليست مجرد جهة تحدد الحد الأدنى للأجور، بل هي مسؤولة عن بناء بيئة عمل عادلة ومتوازنة. ويتطلب ذلك تحديث تشريعات العمل بصورة مستمرة، وربط الحد الأدنى للأجور بمؤشرات التضخم وتكاليف المعيشة، وتعزيز الرقابة على عقود العمل، ومنع الممارسات التي تؤدي إلى التحايل على الرواتب الحقيقية، وتشجيع المؤسسات الملتزمة بسياسات أجور عادلة من خلال الحوافز والتسهيلات المختلفة.

كما يقع على عاتق الحكومات الاستثمار في التعليم والتدريب المهني والتقني لرفع إنتاجية القوى العاملة، لأن الأجور المرتفعة والمستدامة ترتبط في النهاية باقتصاد منتج قادر على خلق قيمة مضافة حقيقية.

وفي المقابل، فإن مسؤولية القطاع الخاص لا تقل أهمية. فالمؤسسة الناجحة هي التي تمتلك هيكلاً واضحاً وعادلاً للرواتب يعتمد على المؤهلات والخبرات والأداء والمسؤوليات الوظيفية، وليس على المزاج الشخصي أو قوة التفاوض الفردية. كما ينبغي أن تكون سياسات الأجور شفافة ومعلنة وقابلة للمراجعة والتطوير وفقاً لمتغيرات السوق.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن المؤسسات التي تعامل موظفيها كشركاء في النجاح تحقق نتائج أفضل على المدى الطويل من المؤسسات التي تنظر إليهم باعتبارهم مجرد تكلفة تشغيلية. فالإنسان المطمئن مادياً أكثر قدرة على الإبداع، وأكثر التزاماً، وأكثر استعداداً لبذل الجهد الإضافي حين تتطلب الظروف ذلك.

والدرس الأهم الذي ينبغي أن نتعلمه هو أن العدالة في الأجور ليست ترفاً اقتصادياً ولا مطلباً نقابياً فحسب، بل هي حجر الأساس في بناء مجتمع مستقر واقتصاد قوي ومؤسسات قادرة على الاستمرار. فكل دينار يُدفع بعدالة لموظف يستحقه يعود في النهاية إلى السوق على شكل استهلاك واستثمار وتعليم وصحة واستقرار اجتماعي.

أما حين يصبح الراتب أقل من قيمة العمل، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون الموظف وحده، بل المؤسسة والاقتصاد والمجتمع بأسره. فالأمم لا تُبنى بالاستغلال، وإنما تُبنى حين يشعر الإنسان أن جهده مقدّر، وأن كرامته مصونة، وأن ما يقدمه من عمل يعود عليه وعلى أسرته بحياة كريمة تليق بإنسانيته وعطائه.