يفتخر الأردن، منذ عقود، بمستوى التعليم الطبي الذي يقدمه وبالسمعة المهنية المتميزة التي يتمتع بها أطباؤه داخل المملكة وخارجها. فقد استطاعت الجامعات الأردنية أن ترفد القطاع الصحي المحلي والإقليمي بآلاف الكفاءات الطبية المؤهلة، التي أثبتت حضورها وتميزها في مختلف المؤسسات الصحية حول العالم. إلا أن هذه الصورة المشرقة تخفي وراءها تحديًا يستحق الوقوف عنده بجدية ومسؤولية، يتمثل في العدالة وتكافؤ الفرص عند الالتحاق ببرامج الاختصاص للأطباء وأطباء الأسنان بعد التخرج.
ففي كل عام، تتخرج أعداد كبيرة من الأطباء بعد سنوات طويلة من الدراسة والتدريب الأكاديمي والسريري، ويستكملون سنة الامتياز ضمن مستشفيات ومراكز صحية معتمدة. لكن عند الانتقال إلى المرحلة الأهم في مسيرتهم المهنية، وهي مرحلة المنافسة على مقاعد الاختصاص في الجامعات الرسمية، يجد كثيرين منهم أنفسهم أمام معايير قبول لا تبدو متساوية للجميع.
وتبرز الإشكالية عندما تمنح بعض الجامعات خريجيها علامات تفضيلية إضافية عند التقدم لبرامج الاختصاص التابعة لها، في حين لا يحظى خريجو الجامعات الأخرى بالميزة ذاتها. وهنا يطرح سؤال مشروع نفسه: إذا كانت الجامعات الأردنية جميعها تعمل ضمن منظومة التعليم العالي الوطنية وتخضع لاعتمادات أكاديمية ورقابية موحدة، فلماذا لا تكون فرص المنافسة على برامج الاختصاص متساوية بين جميع الخريجين من الجامعات الاردنية الرسمية؟
إن منح أفضلية رقمية لخريج على آخر استنادًا إلى الجامعة التي تخرج منها قد يبدو للبعض إجراءً إداريًا بسيطًا، لكنه في الواقع قد يكون العامل الحاسم في رسم مستقبل طبيب بالكامل. ففارق محدود في العلامات قد يعني الانتقال من قائمة المقبولين إلى قائمة الانتظار، أو من فرصة بناء مستقبل مهني داخل الوطن إلى البحث عن فرص تدريب وعمل خارج حدوده.
ومن جانب آخر، يواجه بعض الخريجين تحديًا إضافيًا يتمثل في برامج إقامة أو تدريب تخصصي تتيحها بعض المؤسسات الوطنية، ولكن دون توفير حوافز مالية أو الحد الادنى من الرواتب، بل وفي بعض الأحيان "يزداد الطين بلة" وتطلب تلك المؤسسات مبالغ مالية تتفاوت من تخصص لاخر، مقابل قضاء فترة الاقامة والتخصص. وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية ومتوسط دخل الأسرة الأردنية؛ فإن هذه الأعباء تشكل عقبة حقيقية أمام كثير من الشباب الذين أنهوا سنوات طويلة من الدراسة والتدريب ويطمحون إلى استكمال مسيرتهم المهنية.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذه السياسات يرسخ لدى بعض الخريجين شعورًا بأن معيار المنافسة لم يعد قائمًا بصورة كاملة على الكفاءة العلمية أو الأداء المهني أو الجدارة الشخصية، وإنما على عوامل أخرى خارجة عن نطاق الإنجاز الفردي. ومهما اختلفت الآراء حول مدى دقة هذا الشعور، فإن مجرد وجوده يترك آثارًا سلبية على ثقة الشباب بمبدأ تكافؤ الفرص، وهو أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها مؤسسات التعليم والتدريب الحديثة.
ولا تتوقف تداعيات هذه القضية عند حدود الفرد فقط، بل تمتد إلى المستوى الوطني. فالدولة تستثمر بشكل مباشر وغير مباشر في بناء الطبيب وتأهيله منذ سنوات التعليم الأولى وحتى التخرج، ثم تجد نفسها أمام واقع يدفع بعض هذه الكفاءات إلى الهجرة بحثًا عن فرص تدريب أو تخصص أكثر عدالة واتساعًا. وفي هذه الحالة، تكون الدول المستقبلة هي المستفيد الأكبر من كفاءات أُنفقت عليها موارد وطنية كبيرة، بينما يخسر الوطن جزءًا من رأس ماله البشري الأكثر تأهيلًا.
كما أن استمرار الفجوة بين أعداد الخريجين وفرص الاختصاص المتاحة قد يؤدي إلى تراكم أعداد متزايدة من الأطباء العالقين بين التخرج والتخصص لسنوات طويلة، بما يحمله ذلك من آثار مهنية ونفسية واجتماعية واقتصادية، فضلًا عن انعكاساته المستقبلية على توزيع الاختصاصات الطبية واحتياجات القطاع الصحي الوطني.
إن الحديث عن هذه القضية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقادًا لجامعة أو مؤسسة بعينها، بل دعوة صادقة إلى مراجعة شاملة لمنظومة القبول في برامج الاختصاص، بما يضمن العدالة والشفافية ويعزز ثقة الخريجين بمؤسساتهم الوطنية. فالسؤال الحقيقي ليس من يستحق الفرصة أكثر، وإنما كيف يمكن بناء نظام يضمن أن يحصل الجميع على فرصة تنافس عادلة تستند إلى الكفاءة والإنجاز العلمي والقدرات المهنية فقط.
ولعل الوقت قد حان لفتح حوار وطني مسؤول يشارك فيه صناع القرار والجامعات والمستشفيات والمؤسسات الصحية والنقابات المهنية، بهدف الوصول إلى آلية وطنية موحدة وعادلة للقبول في برامج الاختصاص، تقوم على معايير واضحة وشفافة، مثل الامتحانات الموحدة والتحصيل العلمي والإنجاز الأكاديمي والأداء المهني، بعيدًا عن أي اعتبارات قد تُفسَّر على أنها تمييز بين الخريجين.
فالحفاظ على الكفاءات الطبية الأردنية لا يبدأ بمنع هجرتها، بل يبدأ بمنحها الثقة بأن الوطن يوفر لها بيئة عادلة للنمو والتطور والتخصص. فالطبيب الذي يشعر بالإنصاف والانتماء المهني يكون أكثر قدرة على العطاء وأكثر رغبة في البقاء وخدمة مجتمعه، أما عندما يشعر بأن الفرص ليست متاحة للجميع على قدم المساواة، فإن البحث عن بدائل خارج الحدود يصبح خيارًا مفهومًا ومبررًا.
إن القضية اليوم لم تعد قضية مقاعد اختصاص فحسب، بل أصبحت قضية عدالة واستثمار وطني وأمن صحي ومستقبل أجيال كاملة من الأطباء. وهؤلاء يستحقون أن تُقاس فرصهم بما يمتلكونه من علم وكفاءة واجتهاد، لا باسم الجامعة المكتوب على شهادة تخرجهم. فتكافؤ الفرص ليس مطلبًا فرديًا، بل أساسٌ لبناء منظومة صحية قوية وعادلة وقادرة على الاحتفاظ بأفضل كفاءاتها لخدمة الوطن والمواطن.