كما كان متوقعاً على نطاق واسع خلال الأيام الماضية، أعلن كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني اليوم استقالته من منصبه ومن زعامة حزب العمال الحاكم.
وفي خطاب من أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت، قال ستارمر إنه في حال وجود منافسة على خلافته، سيتم اختيار زعيم جديد لحزب العمال قبل عودة البرلمان من عطلته في سبتمبر المقبل، وإنه سيبذل قصارى جهده لضمان انتقال منظم للسلطة، وسيقدم دعمه الكامل لخلفه.
وجاءت استقالة ستارمر، بعد أقل من عامين على قيادته حزب العمال إلى فوز كاسح في الانتخابات العامة التي جرت عام 2024، والتي وعد خلالها بإنهاء الفوضى في السياسة البريطانية.
وفي خطاب استقالته، وصف ستارمر دخوله إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت عام 2024 بأنه "أكثر اللحظات فخراً" في حياته، مؤكداً أنه دخل العمل السياسي بهدف تحسين حياة ملايين الأشخاص وإحداث تغيير إيجابي في البلاد.
واستعرض ستارمر مسيرته على رأس حزب العمال منذ توليه قيادته عام 2020 خلفاً لجيريمي كوربن، مشيراً إلى أنه تسلم حزباً كان، بحسب "مفلساً سياسياً ومالياً وأخلاقياً".
وأضاف أنه واجه مراراً توقعات بانتهاء الحزب، لكنه نجح في تغيير هذا الواقع، وعمل على استعادة الثقة في الاقتصاد والدفاع والأمن القومي، إلى جانب معالجة أزمة معاداة السامية داخل الحزب.
وقاد ستارمر تحولاً في توجهات حزب العمال نحو الوسط السياسي بعد سنوات من تبني سياسات أكثر يسارية في عهد كوربن، في مسعى لتعزيز فرص الحزب الانتخابية واستعادة ثقة الناخبين.
وقد تزايدت الضغوط مؤخرا على كير ستارمر للتنحي عن السلطة ووجهت له انتقادات كثيرة، لكن الفوز الكبير الذي حقّقه آندي بيرنهام في دائرة ميكرفيلد في شمال غرب إنجلترا حيث ضاعف الأغلبية التي يحظى بها العمال تقريبا، فاقم الضغط على ستارمر للتنحي.
وقد أكد بيرنهام أنه سيترشح لزعامة حزب العمال وبالتالي رئاسة الحكومة البريطانية، بعد إعلان ستارمر استقالته، فيما أبدى وزير الصحة البريطاني السابق ويس ستريتينغ الذي كان أعلن سابقا عزمه على السعي لخلافة ستارمر، عن تأييده لبيرنهام، ما يؤشر إلى أن الأخير قد ينال زعامة الحزب ورئاسة الحكومة البريطانية من دون أي منافسة تذكر.
وانتُخب كير ستارمر نائبا في البرلمان البريطاني عندما كان في الخمسينيات من عمره، بعد مسيرة مهنية كمحامٍ، فقد التحق بمجلس العموم البريطاني عام 2015، وكان حزب العمال آنذاك على معارضا. وقد أسندت إلى ستارمر مهامُ وزارة الداخلية في حكومة الظل التي تشكلها المعارضة بغرض توجيه النقد للحكومة القائمة، و تولى مراجعة وتقييم أداء الحكومة التنفيذية في مجالات مثل الهجرة، ثم بعد تصويت المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، أصبح وزير حكومة الظل لشؤون "بريكست"، واستخدم ستارمر هذا المنصب للضغط من أجل إجراء استفتاء ثانٍ في شأن "بريكست".
وحصل كير ستارمر على فرصته ليصبح زعيماً لحزب العمال بعد الانتخابات العامة لعام 2019، وعُدت نتائج تلك الانتخابات بمثابة الكارثة بالنسبة للحزب ــ فقد واجه أسوأ هزيمة منذ عام 1935 ــ الأمر الذي أجبر جيريمي كوربن على الاستقالة.
وتعد استقالة ستارمر، سادس استقالة لرئيس وزراء بريطاني منذ أن أعلن ديفيد كاميرون رحيله، وذلك صباح اليوم التالي لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" قبل عشر سنوات، والذي يصادف غداً 23 من يونيو وهذا معدل غير مسبوق لتغيير رؤساء الوزراء.
وقد سعى ستارمر خلال ولايته إلى إعادة ضبط العلاقات مع التكتل الأوروبي تدريجيًا قبل أن يحاول تسريع وتيرة العلاقات مع نفاد رصيده السياسي، كما جاءت استقالته قبل شهر واحد من قمة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة التي كان يسعى جاهداً لعقدها.
وكانت الساحة السياسية البريطانية قد شهدت في الأيام القليلة الماضية تصاعدا لافتا في الضغوط على ستارمر، وازدادت حدتها عقب فوز آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى والملقب بـ"ملك الشمال"، بمقعد برلماني في انتخابات فرعية، وهو ما يتيح له الترشح رسميا لزعامة حزب العمال.
وأكد بيرنهام في خطاب له عقب الفوز، أن الحزب بات يمتلك "فرصة للتغيير"، في إشارة إلى استعداده لخوض سباق القيادة.
وباستقالة ستارمر، تقف بريطانيا أمام انتخاب سابع رئيس وزراء خلال نحو عقد، وتشير تقارير صحفية في لندن إلى أن منافس ستارمر وزميله في حزب العمال، آندي بيرنهام، هو الأوفر حظاً لخلافته في رئاسة الوزراء، ومن المقرر أن يؤدي بيرنهام اليمين الدستورية، اليوم، كنائب جديد في البرلمان البريطاني عن دائرة ماكرفيلد، وذلك عقب فوزه في الانتخابات الفرعية التي جرت الأسبوع الماضي.
وترى مصادر برلمانية بريطانية أن بيرنهام أثبت بالفعل أنه سياسي ناجح للغاية على مدى 25 عاماً، و أنه أدار مدينة رئيسية هي مانشستر، كرئيس بلدية لمدة تسع سنوات، ما يعني أنه قد تم اختباره بالفعل.
ويرى المحللون أن استقالة ستارمر، وضعت بريطانيا أمام أسابيع حاسمة لكنها تمثل لحظة فارقة في السياسة البريطانية، حيث تمنح حزب العمال فرصة لإعادة توحيد صفوفه حول شخصية أكثر شعبية مثل آندي بيرنهام، الذي يتمتع بقاعدة قوية في معاقل الحزب التقليدية، وأضافوا أن حزب العمال يحتفظ بأغلبية مريحة في البرلمان ما يعني أن انتقال السلطة إلى زعيم جديد لن يؤدي إلى انتخابات عامة فورية، الأمر الذي يمنح الحكومة الجديدة نوعا من الاستقرار حتى 2029، لكنه يعرضها لضغوط متزايدة من المعارضة.
أما على صعيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي فمن المرجح أن تواصل بريطانيا نفس نهج ستارمر الذي سعى لإعادة ضبط العلاقات مع بروكسل بشكل تدريجي.