تعد المسبحة من الموروثات الانسانية العريقة التي تجاوزت حدود وظيفتها التعبدية لتغدو جزءا اصيلا من الهوية الاجتماعية والجمالية في المجتمع العربي والاسلامي . وعبر رحلة زمنية تمتد لالاف السنين ، انتقلت هذه الاداة من جذورها التاريخية لتصبح اليوم رمزا للوقار وزينة للرجل وملاذا للسكينة .
بدايات الظهور والتطور التاريخي :
لم تكن المسبحة معروفة في العصر النبوي ، اذ كان النبي محمد والصحابة يعتمدون على عقد الاصابع او استخدام الحصى والنوى لضبط اعداد التسبيح والذكر ، وهو اسلوب اقره النبي لكونه وسيلة تنظيمية فعالة . ومع اتساع الدولة الاسلامية في العصر العباسي ، ظهرت المسبحة كاداة منظومة ، متاثرة بالثقافات المجاورة التي استخدمت وسائل مشابهة ، مما دفع المسلمين لتبنيها لتنظيم اذكارهم الكثيرة في حلقات الذكر الصوفي والمجالس العامة .
مواد الصناعة ومراكز التميز :
تنوعت خامات المسبحة عبر التاريخ بحسب البيئة والقدرة المادية ، فبدات بالمواد الاولية البسيطة مثل نوى التمر ، الخشب ، العظام ، القواقع ، والصدف . ومع تطورها ، دخلت في صناعتها مواد نفيسة واخرى مستحدثة ، منها الكهرمان بانواعه ، السندلوس ، العاج ، اليسر ، الاحجار الكريمة ، المعادن الثمينة كالذهب والفضة ، اضافة الى المواد المصنعة من مشتقات البترول في العصور الحديثة . وفي الاردن ، تبرز اسواق عريقة مثل سوق البخارية في عمان وسوق البخارية في اربد كمعالم رئيسية تجمع عشاق هذه الصناعة ، حيث يجد الزائر تشكيلة واسعة تلبي مختلف الاذواق .
المسبحة مكمل شخصي ورمز اجتماعي :
تحولت المسبحة من وسيلة دينية بحتة الى رمز اجتماعي يعبر عن الوقار والوجاهة ، حيث تعد مكملا اساسيا لهندام الرجل الشرقي . وفي العصر الحديث ، اصبحت قطعة فنية ومظهرا من مظاهر الزينة ، كما شاع استخدامها كوسيلة لتهدئة الاعصاب وتخفيف التوتر التي باتت تعرف عالميا باسم حبات القلق ، اضافة الى كونها هواية لجمع النادر والثمين منها ، مما خلق سوقا تجارية رائجة في مختلف البلدان العربية والاسلامية .
المسبحة في اطار الاديان :
المسبحة ليست حكرا على الاسلام ، بل هي ظاهرة انسانية عابرة للاديان . ففي المسيحية ، يستخدم الكاثوليك والارثوذكس المسبحة الوردية في صلواتهم ، وتتميز بوجود صليب في نهايتها . وفي اليهودية ، يستخدم المعتنقون خيوطا او عقودا خاصة في صلواتهم تتراوح حباتها بين 17 و 21 حبة . اما في الديانات الشرقية ، فتستخدم المالا في البوذية والهندوسية كوسيلة لترديد الترانيم والتامل .
القيمة الاقتصادية للمسبحة :
تتفاوت قيمة المسابح تفاوتا هائلا ، فبينما تباع المسابح التجارية البسيطة باسعار زهيدة ، تصل قيمة المسابح النادرة المصنوعة من مواد فائقة الندرة كالعاج او الكهرمان المعتق او المطعمة بالذهب والالماس الى مبالغ طائلة جدا ، وتعتبر استثمارا ماليا نفيسا يتوارثه الابناء عن الاباء .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) القرآن الكريم .
2 ) المعجم الوسيط ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1980م .
3 ) تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة وجعلها في الأعناق ، فتح الله البناني 1883م .
4 ) المسبحة حبات القلق والسكينة ، مجلة الدوحة ، د . ناصر أحمد سنة 2010م .
5 ) من الهدايا السبح ، المجلة العربية ، د . محمد بن سعد الشويعر 1425هـ .
6 ) تاج العروس ، الزبيدي ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989م .
7 ) السبحة أصلها ومكانتها وتاريخها ، المجلة العربية ، د . محمد بن سعد الشويعر 1409هـ .
8 ) السبحة ، مجلة العربي ، جمال الغيطاني 1983م .
9 ) البيان والتبين ، الجاحظ ، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2003م .
10 ) الأغاني ، أبو الفرج الأصفهاني ، الهيئة المصرية للكتاب 1974م .
11 ) نشوار المحاضرة ، القاضي أبو علي التنوخي 1990م .
12 ) تاريخ السبحة العابر لجميع الحضارات والأديان ، مدونة مولانا بيدز .
13 ) تاريخ السبح الرجالية في الثقافة العربية ، مدونة نجد عيسى .
14 ) المسابيح من الوظيفة الدينية إلى الوظائف الدنيوية ، مجلة تراث 2010م .