في الوقت الذي أعلنت فيه دول أوروبية إعادة فرض قيود للحد من انتشار فيروس كورونا وسط استمرار الانتشار السريع للسلالة شديدة التحور "أوميكرون” في جميع أنحاء العالم، أعلن الأردن السماح لإقامة الاحتفالات والتجمعات التي تتزامن مع بداية العام الجديد مع اتخاذ جملة من الإجراءات المشددة.
إعلان الحكومة السماح للاحتفالات خلال أعياد نهاية العام والذي جاء على لسان وزير الإعلام فيصل الشبول، لاقى استهجان المتابعين والمراقبين للوضع الصحي للأردن، إذ تزامنت تصريحات الشبول بإعلان تسجيل 14 إصابة جديدة بأوميكرون، إضافة إلى أنه يتم انتظار نتائج فحوصات 250 شخصا مشتبه بإصاباتهم بالمتحور.
وزير الصحة الأسبق، الدكتور سعد الخرابشة، بعد إعلان القرار الحكومي بالسماح بإقامة الحفلات، نشر تغريدة عبر حسابه على "فيسبوك”، قال فيها: "أوصت منظمة الصحة العالمية بإلغاء بعض خطط عطلات عيد الميلاد لحماية الصحة العامة وسط انتشار سلالة أوميكرون من فيروس كورونا وقال مدير منظمة الصحة العالمية: "إلغاء احتفال أفضل من إلغاء حياة”، ولابد من اتخاذ قرارات صعبة ونحن لا زلنا نكابر ونضع رؤوسنا بالرمال”.
قرارات الحكومة وتشددها أحيانا في مواجهة وباء كورونا يشعرك أنها غير جادة في مكافحة الجائحة، بل غير مكترثة، هكذا يعلق رواد السوشال ميديا في الأردن، فالسماح لهذا الكم الكبير من الاجتماعات والاحتفالات والسهرات والمهرجانات حتى مسيرات وسط البلد التي انطلقت منذ أسابيع للتنديد بالتطبيع مع "إسرائيل”، فكل هذا الانفتاح والانفلات غير المبرر يشعرك أن "الحكومة في وادٍ والوضع الصحي في وادٍ آخر”.
وكان ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، تداولوا صور إعلانات عن إقامة حفلات غنائية لمطربين يوم 23 كانون الأول (ديسمبر) الحالي، وذلك بالرغم من ارتفاع أعداد الإصابات بـ”كورونا” في الأردن، حيث انتقدوا سماح الحكومة بإقامة هذه الحفلات في ظل الوضع الوبائي الراهن.
الاحتفالات تحت رقابة وزارة الداخلية
يؤكد الشبول في لقائه عددا من مدراء الإعلام الرسمي ورؤساء تحرير الصحف، أنه وفي ظل تشديد الإجراءات للحد من انتشار وباء كورونا، سيخصص مندوب من وزارة الداخلية في كل مرفق يقام فيه احتفال، سواء أكان في الفنادق أو المنتجعات السياحية، بالإضافة إلى متابعة أية تجمعات في المزارع الخاصة في مختلف مناطق المملكة؛ من أجل التأكد على الالتزام بالشروط اللازمة لدخول هذه المرافق حسب البرتوكول الصحي المتبع، منعا لأي انتشار محتمل للفيروس.
أوميكرون سريع الانتشار والتجمعات غير آمنة
من جهته، اعتبر أخصائي الأمراض الصدرية والتنفسية، الدكتور محمد الطراونة، أن ظهور حالات من المتحور أوميكرون في الأردن يزيد من صعوبة الحالة الوبائية ويعرّض البلاد إلى موجة جديدة من الإصابات، وبالتالي فإن أي تجمعات في هذا الوقت غير آمنة وغير سليمة.
وعرض الطراونة في تصريحات لـنيروز، جملة من خصائص المتحور أوميكرون التي تجعله خطراً على التجمعات بكافة أشكالها، ومنها سرعة انتشاره التي تفوق متحور "دلتا” بـ3 أضعاف.
وأضاف، أن أوميكرون لديه طفرة الهروب المناعي التي تساعده على الهروب من جهاز المناعة، وبالتالي يمكنه إصابة الأشخاص المصابين سابقاً بمتحورات أخرى وإصابة الاشخاص الملقحين، كما يصعب تشخصيه بفحص الـ(بي سي ار) العادي، إذ يحتاج لفحص التسلسل الجيني.
وتابع الطراونة، أنه وبعد كل هذه المعطيات، لا يمكن أن يكون هناك تجمعات آمنة، وأن القرار الحكومي بالسماح بإقامة الاحتفالات يشكل مغامرة بصحة المجتمع.
وأشار إلى أن دولا عظمى أوقفت التجمعات، وعلى الحكومة الأردنية الحذر من هذا الوضع الصحي الذي يتفاقم في أغلب دول العالم، وبهذا الصدد عليها الاستماع للآراء العالمية التي تشخص الوضع الصحي الحالي والذي يحتاج لإجراءات خاصة في مواجهته لا أن نبقي الأمور كما هي عليه ونزيد من الانفتاح والسماح بالتجمعات.
وتساءل الطراونة عن وجود أطباء ومختصين في لجنة الأوبئة بتخصص الأمراض الصدرية، "أين نصائحهم التي يقدمونها للحكومة وأصحاب القرار في موضوع التجمعات والسماح بإقامة الاحتفالات وخطورتها على صحة الإنسان وانتشار الوباء”؟.
وطالب بأن تكون اجتماعات اللجنة مستمرة وتتابع باهتمام كبير الحالة الوبائية وتتخذ قراراتها الملزمة للحكومة فيما يخص صحة الإنسان والمجتمع.
وانتقد الطراونة تعدد المرجعيات في القرار الصحي من اللجنة الوطنية لمكافحة الأوبئة والمركز الوطني للأوبئة ومسؤول ملف كورونا ومستشار رئيس الوزراء للشؤون الصحية، مشيراً إلى أن تعدد المرجعيات شكل حالة من التخبط بالقرارات.
وأضاف، "وإذا ما لاحظنا خلال الفترة الأخيرة أن سياسة الحكومة في التعامل مع ملف كورونا كانت بمثابة ردات فعل وليست حكومة مواجهة أزمات وخطط وبروتوكول منظم”.
وقال الطراونة، إن دخول وانتشار متحور جديد يعني دخول البلاد في أزمة وبائية تستمر لما لا يقل عن شهرين، وتتطلب إدخالات في المستشفيات وضغط على غرف العناية الحثيثة والعلاجات والكوادر الطبية، "فأين الجدوى الاقتصادية من إقامة الحفلات والمهرجانات التي تشكل تكلفة وبائية وصحية واقتصادية على الأشخاص والمجتمع”؟.
بروتوكولات صحية "نظرية”
من جهته، أكد الخبير في الوبائيات، الدكتور عبد الرحمن المعاني، أن جميع الدول فيها ارتفاع كبير في نسب الإصابات وبدأت تطبق إجراءات بشكل شديد وصارم وصلت في بعضها إلى الإغلاق والحظر الشامل، وخصوصا هولندا التي أعلنت الإغلاق لشهر كامل، أما بقية الدول التي ظهرت فيها حالات فقد أصدرت قرارات قريبة من الإغلاق.
وأضاف المعاني في تصريحات لـنيروز، أن كل تلك الإجراءات التي شهدتها دول العالم لم تلق اهتماما في الأردن الذي عمل عكسها تماماً من خلال الإصرار على إقامة الحفلات والسماح بالتجمعات الكبيرة في الوقت الذي كان لا بد من فرض إجراءات مشددة كوننا نشهد دخول ورصد حالات من المتحور الجديد لاحتواء الوضع الوبائي والسيطرة عليه.
وأشار إلى إصدار بروتوكولات صحية "نظرية” ووضع اشتراطات تصعب متابعتها وهي غير قابلة للتطبيق، متسائلا "كيف يمكن مراقبة حفلات فيها ما لا يقل عن 3 آلاف شخص أو أكثر”؟ و”كيف تمنع انتقال الفيروس لهذا العدد الكبير من خلال التشدد في حصول الحضور على أخذ جرعتين من المطعوم وفحص كورونا قبل 72 ساعة وغيرها من الاشتراطات صعبة التنفيذ”؟.
وبين المعاني، أن هذه البروتوكولات واجهنا مشاكل في تنفيذها خلال المهرجانات التي أقيمت في فصل الصيف، مشددا على أن الإصرار على إقامة الحفلات وأي تجمع فيه اختلاط وتقارب جسدي يعني فتح بؤر وبائية جديدة والسماح بانتشار العدوى وتفشي المرض؛ كونها تزيد من الحالات وتزيد من أرقام الإصابات وانتشار المتحور الجديد، وسوف نصل إلى وضع صحي وبائي لا تُحمد عقباه.
30 احتفالا خلال أعياد نهاية السنة
وكان محافظ العاصمة ياسر العدوان، قد كشف في تصريحات صحفية، عن الموافقة رسميا على إقامة نحو 30 احتفالا؛ منها الغنائية ومنها ما يُقام في المطاعم، والمناسبات العائلية الخاصة، مشيراً إلى أن الحفلات التي تقام داخل حدود محافظة العاصمة يجب أن يقدم لها طلب للديوان في مبنى المحافظة لاتخاذ الإجراءات الأمنية المناسبة، ولتطبيق أوامر الدفاع في الاحتفالات كافة.
طرح الثقة بوزير الصحة
لجنة الصحة النيابية، أعلنت في وقت سابق، أنه في حال انتشار متحور أوميكرون أو زيادة عدد الإصابات، فإنها ستحمّل وزير الصحة المسؤولية وستطرح الثقة به تحت القبة، بعد السماح باستمرار الموافقة على الحفلات والتجمعات.
وأضافت اللجنة على لسان رئيسها فريد حداد، أنها تخشى من الدخول في موجة أوميكرون خلال شهر كانون الثاني (يناير) المقبل بسبب الانفتاح، لا سيما وأن الأرقام ما زالت تثير القلق بالرغم من الانخفاض، وقد تكون الارتدادات أكبر؛ لذا يجب أن يكون الحرص سيد المرحلة.