يستذكر الأردنيون في الحادي والعشرين من آذار من كل عام معركة الكرامة الخالدة والبطولات والتضحيات التي سطرها منتسبو القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، في دحر العدوان والأطماع الصهيونية في معركة أعادت للأمة الأمل بقدرة العرب على هزيمة "الجيش الذي لا يقهر".
ففي مثل هذا اليوم من عام 1968 كان الجنود الأردنيون البواسل على موعد مع النصر في معركة غير متوازنة في العدد والتجهيزات، إلا من قوة العزيمة والايمان والإصرار على ردع غرور قادة العدو الذين صوروا لجيشهم أن عبور النهر الخالد باتجاه الشرق هو "مجرد نزهة لا غير".
تحقيق النصر العربي الأول في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، ما شكل نقطة تحول استراتيجي في الصراع اذا ما اخذنا بالاعتبار الاهداف والغايات التي كانت اسرائيل تسعى الى تحقيقها.
الاحتفال بذكرى معركة الكرامة يأتي لاستلهام الدروس والعبر من بطولات الكرامة التي تمدنا بالعزيمة لصون امننا الوطني والمحافظة عليه، ليبقى الاردن حراً عزيزاً كريماً مصونًا في أرضه وعرضه وممتلكاته، بفضل زنود جنودنا البواسل الرابضين على حدودنا اليوم، أحفاد أولئك الأسود الذين صنعوا النصر في معركة الكرامة.
ويستذكر اللواء الركن المتقاعد شبيب ابو وندي المعركة بقوله، في يوم الخميس 21 اذار 1968 دخل العدو على ثلاثة محاور، المحور الجنوبي على رأس البحر الميت، "جسر الامير عبدالله وهو اخر جسر على النهر- ناعور عمان"، والمحور الثاني القدس- اريحا- جسر الملك حسين الشونة- السلط- عمان، والمحور الثالث، نابلس- جسر داميا "او الامير محمد"- مثلث العارضة، او المثلث المصري- السلط- عمان، وهذه هي المحاور التي خطط العدو لمهاجمة الاردن من خلالها.
ويضيف، تعتبر معركة الكرامة نقطة تحول رئيس في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، ذلك أنها اول صدام بين الجيوش العربية والجيش الاسرائيلي تنتصر به القوات العربية لأول مرة، يترك فيها العدو الاسرائيلي لأول مرة اسلحته ومعداته في ساحة المعركة، ولأول مرة ايضا في حروبه يطلب وقف اطلاق النار ولم تتم الموافقة على طلبه، وكانت هذه ميزة اختصت بها معركة الكرامة، وكانت انطلاقة لرفع معنويات الشعب والجيش الاردني ومن ورائه الأمة العربية، وغيرت رأيهم بالجيش الاسرائيلي الذي زعم أنه لا يقهر وقهر وانهزم.
وفيما كان الهدف المعلن من المعركة، أن الاسرائيليين يريدون القضاء على الفدائيين في بلدة الكرامة وهم بحدود 300 عنصر، إلا أن الحقيقية على الارض كانت أمرا اخر مختلفا.
فقد اتضح من تجهيزات واستعدادات الجيش الاسرائيلي ان الهدف ليس الفدائيين بل السيطرة على مناطق حيوية وهامة في الاردن حيث كان عتادهم "فرقتين، فرقة مدرعة وأخرى آلية، إضافة الى فرقة مظليين و5 اسراب من الطائرات و5 كتائب مدفعية ثقيلة ومتوسطة وهذا بحجم سريتين".
ويستطرد اللواء الركن المتقاعد ابو وندي، كنت وقت المعركة ضابط ملاحظة "ضابط رصد مدفعية" على جسر الامير عبدالله، 300 متر عن النهر، "وكانت الموجة الاولى بدأت بتدفق معدات هندسية نحو الجسر وسيارات وقلابات تحمل اتربة وحجارة، فاستدركنا أن ذلك هو فرقة هندسة مزودة بتقنيات لمعرفة عمق مياه النهر لأغراض ردمه وإنشاء منطقة عبور او جسر، وكان معنا فصيل دبابات، بدأت بإطلاق النيران، وهذه المناطق كانت اهدافا مسجلة على الاجهزة العسكرية الاردنية، بحيث تقوم بالضرب بمجرد إعطاء الأمر.
وبعد مباغتتنا لهم بدأت قوات العدو تتفرق وظهرت عليها معالم الارتباك، واختفى بعضها على يسار الجسر، حيث احتمت بتلة حصينة معروفة لنا تتسع لسرية دبابات وسرية مشاة آلية، وكان واضحا ان الهجوم بدأ كما أبلغتنا الاستخبارات في حينه.
وقد كانت الاستخبارات دقيقة جدا في التوقيت، بعدها بدأت موجة هجمات بالطائرات والمدفعية، ولحسن الحظ لم تصب تلك الهجمات مركز الملاحظة، مشيرا الى أن الخنادق الاردنية كانت من غير تحصينات لأنها انشئت على عجل، وكانت مغطاة "بالقصيب والاتربة".
وتعرضنا لموجة ثانية من قصف الطائرات وكان هناك 3 دبابات اردنية في منطقتي، "ردمت اثنتان منها بالرمال وبقيت واحدة، وفي الاثناء تعطل جهاز اللاسلكي في السيارة وقد ظن زملاؤنا في مواقع المدافع اننا استشهدنا لأننا لم نراسلهم، لكننا تدبرنا أمرنا بجهاز آخر واستأنفنا التراسل".
وفي تلك الاثناء تجمعت نقطة طبية اسرائيلية عند حافة الجسر من الغرب، فيما كانت سيارات الإسعاف وطائرات الهيلوكبتر تنقل الجرحى والقتلى الاسرائيليين، وفي تمام الساعة الحادية عشرة احضر العدو تعزيزات من المشاة شمال غرب الجسر فكانت هدفا سهلا، وتم توليف المدفعية باتجاههم لكنهم تقهقروا باتجاه اريحا وعند هذا الحد حسمت المعركة في هذه الناحية، لكنها كانت مستمرة في المحور الثاني في الشونة الجنوبية، التي دخلتها قوة عسكرية اسرائيلية انقسمت الى 3 اقسام قسم دخلها، وآخر تمركز بالقرب منها، وانحرف قسم منه باتجاه الكرامة.
ويضيف اللواء الركن المتقاعد ابو وندي في استذكاره لتفاصيل معركة الكرامة بقوله:"" في المحور الثالث- جسر الامير عبدالله، حاولت قوات العدو 3 مرات من خلال فصيل دبابات مع المدفعية الثقيلة، كان الفدائيون في مواجهة قصف مدفعي وإنزال مظلي من خلفهم فاستشهد منهم حوالي 150 فدائيا وأسر مثلهم، مشيرا الى ان قواتنا اسكتت قوات العدو التي كانت في محيطها، واستشهد من قواتنا محمد هويمل الزبن والمرشح صالح صلاح".
وقال: "كان نجاح العدو مرهونا بالسيطرة على محورنا بين الكرامة والمثلث المصري، حيث جاءت القوات من طريق نابلس بنية الإمساك بمثلث المصري والراما، في محاولة من قائد العملية الاسرائيلية الالتقاء بقواته حيث كانت غايته منع قدوم اي قوات او نجدة اردنية، فاتجه للشمال بغية اللقاء مع جماعته وكان معه عربة مدرعة تحوي الخرائط دمرتها قذيفة من مدفعيتنا في عيرا كان لاستخباراتنا فضل كبير في ذلك"، مشيرا الى ان أهداف الاسرائيليين كانت سلسلة جبال مرتفعات البلقاء وناعور.
ولفت الى أحد الأسباب الرئيسة التي ادت الى النصر هو قيادة المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين الذي كان حاضرا معنا ، والذي كان عاملا رئيسيا في رفع المعنويات، أما السبب الثاني فهو الخطة الدفاعية المحكمة والتصرف بالموارد الموجودة بحكمة، والإمساك بسلسلة المرتفعات، مشيرا الى "واجب قوات الحجاب لم يكن الاشتباك مع العدو بل مراقبة وتمرير المعلومات وعدم الدخول في معركة فاصلة، وجر العدو لمواقع الحرب".
وأشار الى السبب الثالث المتمثل بدقة معلومات الاستخبارات، وشجاعة الجندي الاردني "الذي لديه حقد دفين من معركة 67 التي خسرناها لعدم وجود غطاء جوي وعدم تكافؤ الاسلحة".
واكد أن :"جيشنا الاردني تربى على الرجولة وكان مؤسسا تأسيسا قويا، والجيش الان امتداد لذاك الجيش ورجالاته، وما تغير الآن هو التنظيم والتطور في الاسلحة".