هي الأصالة لغةً الجذر والأشياء ذات الأصول، أي معروفة الأنساب وغير مشكوك في أبوتها، وأصل كل شيء ومنبته ومادته الأولى قبل دخوله في تفاعلات أو تمازجات مع أشياء أخرى دخلت في تركيبه ومكوناته.
والأصالة الموروثة المتناقلة، هي رسالة العروبة الخالدة التي حملتها القبائل العربية عبر تاريخها الطويل محتفظة بجوهرها ونقائها وهي مجموعة من الشمائل والخصائل لازمت هذه القبيلة أو تلك، وهي بمجملها فخر للبدوي الذي يحس بصدقها وعمق مدلولاتها وشمولها وبما لها من صفات تتوافق مع عظمة الأمة العربية وعمق الجراح التي تتالت عليها والآلام التي تركتها وما تزال ندوبها دالة عليها من تفرقة وتجزئة وتشرذم وضعف.
لقد عانت الأمة الكثير مما هدد وجودها مرات عديدة منذ فجر التاريخ وحتى الآن، ولكن الرابط القوي الذي يجمع هذه الأمة حافظ على تماسكها في وجه أعتى الهجمات الشرسة وأقواها ...
وما تزال هذه الأمة قادرة على الصمود بما ترتكز عليه من مقومات الصمود ( الأصالة) التي ستعيدنا إلى ذاتنا وإلى مواقفنا الحية التي يجب أن نتمسك بها دائماً.
وما هذه المقومات الزائفة والمصطنعة والعرضية إلا مقومات زائفة ستزول وتسقط أمام الوعي القومي والبعد الإنساني لمفاهيم حضارتنا ومرتكزاتها ، لأن الواقع الذي نعيشه هو واقع نرفضه، ولم نصنعه نحن أو نختاره، بل فرض علينا في ظروف أجبرتنا على تقبله لا على قبوله.
فالغزوات جميعها وبكل أشكالها لم تُنسنا قط بداوتنا ، ولم تستطع أن تخرس أصواتنا.
وما البداوة إلا ترسيخ للعروبة وتمسك بالقيم والشمائل التي ترسخ سيادة المحبة والتوادد والتوحد في الملمات والشدائد ...
وفي البداوة تمسك بعنان الأصالة المستندة إلى محبة الأرض والأوطان، محبة خالصة لا ريب فيها ، تنطلق من مفهوم المواجهة لكل الصعاب وكل المقومات كي نصل إلى الغاية المنشودة في تحقيق حياة سامية جديدة دون أن نتخلى عن هويتنا وعروبتنا، ونحتلّ مكاناً لائقاً بين الأمم المتحضرة. ولكن على أسس من القيم والأصالة لا على فراغ دون مرتكزات، لأننا في هذه الحالة سنكون عبارة عن بناء فوق الرمال والذي سيكون مصيره الدمار والاندثار والفناء.
ورغم تشكيك البعض بقدرة القبيلة على ترجمة مفردات العصر، وأنها قاصرة عن فهم مستجدات الحياة وتطوراتها، إلا أننا نرى العكس تماماً؛ فالقبيلة أكثر قدرة على مواجهة عصرنة الحياة موحدة متعاضدة متعاونة ...
وروح القبيلة ليس جامدا، بل هو قادر على التطور والتكامل مع لغة العصر ومفرداته وبكل المصطلحات واللغات، لأن التراث القبلي والموروث القبلي هو أصلاً من صنع الحضارات ومن مفاهيمها، ويقوم على أسس تنظيم المجتمعات الحديثة عندما انتقلت المجتمعات من مرحلة البداوة إلى مرحلة التحضر.
وكل الحضارات القديمة هي في الأصل قبائل بدوية استوطنت مناطق مختلفة من العالم.
وبنت عليه مدنها وازدهرت حضارتها من وادي النيل إلى حوض الفرات وبلاد الرافدين واليمن والجزيرة العربية وغيرها.
والبداوة هي أصل الحضارات لا العكس والبدوي اليوم الذي كان يسكن الخيام ويقود الجمال في شبه الجزيرة العربية والخليج العربي والجزيرة السورية والبادية هو ذاته اليوم من يقود السيارة والطائرة والسفن في البحار.
وهو اليوم النائب في البرلمان وفي مجلس الأعيان والوزير أو الرئيس والقائد في الجيش والمؤتمن على أمن البلاد والعباد إن البدوي متفاعل مع الحضارة غير جامد ولا متقوقع ، ويستوعب أعقد العلوم حين تتيح له الظروف الاطلاع عليها وامتلاكها دون أن تفقده هويته وقيمته.
ومن هنا ليس القصور في العقل البدوي أو في أعراف القبيلة، والعكس هو الصحيح تماماً، فالعلوم يمكن تعلمها والمعارف يمكن استيعابها، والصناعات من السهل إقامتها، ولكن من الصعوبة بمكان أن نتعلم الأخلاق الحميدة والخصال البدوية من نخوة وشجاعة وإخاء وتآزر في الملمات وتلاحم في الأفراح والأتراح، فهذا لا يمكن تعلمه أبداً، سيما خصلتا الشجاعة والكرم، فمن لم يرثهما عن أبوين، لن يتعلمهما قطعياً.
والأهم من كل ذلك أن البداوة هوية، والقبيلة انتماء والعروبة جذور وقيم وهوية فمن يفتقدها لن يعثر عليها في أي مكان في الدنيا ولو أجاد التعامل مع كل كمبيوترات العالم ونظم الفضاء وتعقيدات العلوم المختلفة. لذلك نرى أن البداوة مخرج لما نحن فيه، والقبيلة عصمة من الضياع، والعروبة جذورنا وأصولنا التي يجب أن نحافظ عليها ونمنع من يحاول اقتلاعها ... يقول الشيخ حميدي دهام الهادي) في العلاقة ما بين القومية والقبيلة ما يلي: ...
كما إن القومية انتماء أكبر، فالقبيلة انتماء ،أصغر، وفي كليهما تذوب الأنا وتطفى مصلحة الأكثرية على المنفعة الفردية. فلماذا تنفر من كلمة القبيلة؟ ولماذا ننظر إلى القبلية مصطلح يدل على التخلف والجهل، أو على إنها مصطلح عفى عليه الزمن؟ . ( مسكينة) هذه اللفظة، وما أكثر الأجحاف بحقها وبمدلولها النبيل، والإنكار لدورها في لم الشمل ووحدة الأمة، هذه المفردة الغائبة - الحاضرة هي مسؤولية والتزام من الفرد تجاه نفسه واتجاه غيره، وبشعور صادق ومسؤول . ومهما تكن الأسباب التي دعت في الماضي إلى انقراض هذه العبارة، ففي الوقت الحاضر والمستقبل آلاف من المبررات لعودتها لأنها اليقظة الحقيقية للأمة العربية وسبب صحوتها.
ولم يعد هناك من مجال للتهرب منها والتشكيك فيها .. حديث الشيخ (حميدي) هذا يتوافق مع حديث الشيخ حمد بن جازي) في جلسة مريود، والمجاهد أحمد بارافي، والمجاهد فايز الغصين، عقدت أحمد شارك بها المجاهد في مضارب (الجازي) في الرشادية عام ١٩٢٢م، فقال: "... الحقيقة التي نقرها أننا جميعاً أمام تحديات كبيرة، وعلى عاتقنا أن نكون على قلب رجل واحد، ندعو إلى وحدة الكلمة والرأي والقرار، ونحرص على روح القبيلة المنبثقة والمنبعثة من صميم العروبة والإسلام.
الواجب يلزمنا بوحدة القبيلة، لأن القبيلة روح العرب ... فعلاقة الفرد بالأمة كعلاقة الروح بالجسد والقبائل هي هذه الروح التي نسعى إليها . وأما الجسد فهو مجموعة من البشر ،قبائل وأسر ومجتمعات، وبمقدار ما يكون الجسد صحيحاً وسليماً وقوياً، يحفظ الروح ويصونها، وعلى العكس، عندما يقتل الجسد تقتل الروح.. وشاهدنا قول الله تعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن إكرمكم عند الله أتقاكم" (1) نعم، كل القبائل والعشائر والعائلات والأسر العربية تعود بجذورها إلى البداوة، ونحن ليس كما يصفنا المستشرقون ( الجواسيس) وكما يصفوننا اليوم في دول الغرب الاستعمارية...
نحن لسنا مجرد كتل من البشر نلبس العباءة ونركب الجمل وبلا فكر ولا جذور، نحن بداوة نعم، ونعتز ببداوتنا التي أوصلت الرسالة المحمدية إلى أصقاع الدنيا، فمن البادية الحجازية انطلقت خيول الفتح والتحرير ، ومن مكة المكرمة والمدينة المنورة خرجت آخر الديانات السماوية، وفي شعابها نزل الوحي على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم. نحن بداوة نعم، لا ننكر بداوتنا التي أعطت للعالم قاطبة خلاصة الفكر، وفكر العقيدة.
وبنا نزلت الآية الكريمة كنتم خير أمة أخرجت للناس". فعندما يقول الله سبحانه وتعالى بأننا خير أمة أخرجت للناس، أفلا يحق لنا أن نفخر بعروبتنا وبداوتنا ...
وفي رأي عالم الاجتماع العربي ( ابن خلدون حول أسباب نشوء الحضارات، نرى أن البداوة هي أولى مراحل نشوء الحضارة، فيقول: "... في هذه المرحلة تكون الدولة قوية متماسكة مرهوبة الجانب تعيش على الكفاف، وتتكيف مع شظف العيش ، وتعمل على حماية أراضيها، وتعد عدتها من جيش لدرب وعتاد وخيول، وتتوسع وتبني مجدها ويذيع صيتها....".
- "أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة التحضير، وفيها ميول إلى الراحة والعمران بعد أن تكون الحروب قد انتهت والمعاهدات قد وقعت فيلتهي القادة والجند بمصالحهم الخاصة (من مزارع ومنازل وممتلكات) وتسير الدولة في طريق الرفاه فتدب الفوضى في أوصالها وتضعف هيبتها في عيون خصومها، بعد أن يسعى الجميع للثراء والرفاه".
"وأما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الرفاهية وفيها تستبدل المنازل بالقصور والممتلكات الصغيرة بالمزارع الكبيرة والمنتجات ويقضي القادة والجند والأمراء أوقاتهم بين الحريم والجواري، ويطغى الفرد على الجماعة، وتتحلل مفاصل الدولة الهامة، وتفقد الدولة احترام أصدقائها، ويزداد طمع أعدائها فيبدأون العمل على إسقاطها، ومن تاريخنا شواهد عدة.....
لقد انهارت الدولة العباسية عندما تخلت عن بداوتها، ومن ثم الفاطميين والحمدانيين، وملوك الأندلس من بني الأحمر ، وبني ،تاشفين، وآخر الطعنات غرناطة...
والقارئ يدرك ما نرمي إليه، سيما المتتبع لهذه المرحلة من تاريخنا، وأسباب سقوط الدولة العربية.
لذا، رأينا أن البداوة هي الأمل في أن نكون مستقبلاً أصحاب شأن ولنا مكان ودور ورسالة على الأرض... وقد يتساءل البعض ؛ أية بداوة ونحن في القرن الواحد والعشرين؟! والإجابة ليست من الصعوبة بحيث لا تُدرك. ومن المستحيل تجاوزها.
فلتكن بداوة هذا القرن هي البداوة التي تتعامل مع الصاروخ والقمر الصناعي، والسفن الفضائية بعقل متفتح وبصيرة نافذة... لماذا لا يكون لنا قمرنا وسفننا الفضائية ، وكمبيوترنا ، وسيارتنا، بل وسلاحنا بكل مسمياته وأشكاله وأنواعه... لماذا لا يتحقق ذلك؟ يجيب على ذلك الشيخ البدوي فهد حميدي العاصى) رئيس تحرير مجلة ( الصناديد ) بقوله: ... رأس المال متوفر ، والأدمغة مهاجرة تعمل في بلدان شتى، والأيدي العاملة كثيرة إلى درجة البطالة المرعبة.
والمكان متوفر ومتسع ولله الحمد، لدرجة أنهم استكثروا علينا هذه الأرض، فأهدوا قسما منها لشعب بلا أرض.
فأقام على هذه البقعة الصغيرة المقدسة أكثر الصناعات تطوراً ودماراً في ذات الوقت، حتى توصلوا إلى إطلاق قمر صناعي يجوب السماء العربية كل يوم بمعدل سبع مرات....
فأين المعوقات التي تمنعنا من أن نكون كما نريد وكما يجب أن نكون...
ويضيف الشيخ فهد العاصي، بقوله: وليكن العقل هو محور التقائنا والفكر أساس نهضتنا، والإنسانية الرابط الذي يجمع بيننا، سيما ونحن نواجه اليوم أشرس الهجمات الاستعمارية والغزوات المتلاحقة التي تستهدف فكرنا ومسح ذاكرتنا ....
وختاماً ، فإن لنا أملاً كبيراً نعوله على بداوتنا المنقذة..