دعوى جمهورية جنوب افريقيا أمام محكمة العدل الدولية بانتهاك "إسرائيل" لاتفاقية منع الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، هي دعوي قضائية مبنية على منازعة قائمة بين الدولتين، وفقاً للقواعد القانونية للاتفاقية الدولية لمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948م، والتي عرضت للتوقيع والمصادقة او الانضمام في كانون أول 1948م، ودخلت حيز النفاذ في كانون أول1951م بموجب المادة رقم (13) من الاتفاقية، وتعتبر اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها أول معاهدة دولية في مجال حقوق الإنسان تعتمدها الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وانطلاقاً من القاعدة القانونية أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، فإن أساس التجريم والعقاب على الإبادة الجماعية، جاء وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1946م، والذي اعتبر الإبادة الجماعية جريمة بحق الإنسانية ويجب يعاقب مقترفها بموجب القانون الدولي ، وجاءت اتفاقية منع الإبادة الجماعية التي وقعت وصادقت عليها أو انضمت إليها غالبية الدول، لتحدد القواعد القانونية الملزمة والواردة في نصوص الاتفاقية، والتي تصبح ملزمة الاحترام والتطبيق بحق الدول الأطراف، والتي من ضمنها اختصاص محكمة العدل الدولية بتفسير أو تطبيق أو تنفيذ الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسؤولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة من الاتفاقية . وبهذا فإن محكمة العدل الدولية تمارس صلاحية الاختصاص بموجب المادة رقم (2) من الاتفاقية، وفي إطار المجالات التي حددتها المادة، وهذا ما ألزم إسرائيل أن تلبي دعوة المحكمة وإن تقدم مرافعاتها، فمنطق الاستعلاء على القانون لا تمارسه إسرائيل اعتباطاً وإنما وفق منهجية تنطوي على إدراك قانوني ومناورة تكتيكية، فعزوفها عن المثول والدفاع عن نفسها، سيظهرها بالتمرد على القانون الدولي في سياق سيفقدها بعض المناورات وإن باتت هشة وضعيفة.
ولكن السؤال الذي يتبادر للمتتبع لمجريات جلسات الاستماع لمحكمة العدل الدولية، وما أعقبها من تصريحات مسؤولين إسرائيليين وعلى رأسهم نتنياهو والذي أعلن أن محكمة العدل الدولية غير مختصة بنظر هذا الملف، وقد ساق حجته لذلك أن هذا الملف يندرج في إطار قانون النزاعات المسلحة، وهذا التصريح ينطوي على نقطة قانونية جوهرية شكلت محور القوة والمتانة للائحة الدعوى التي تقدمت بها جمهورية جنوب افريقيا، والتي إن دلت فإنما تدل على مستوى التمكن والتعمق القانوني لدولة صغيرة كجنوب إفريقيا لكنها غنيةٌ بتجاربتها ومعاناتها في ظل نظام الأبرتهايد التي عانت ويلاته.
إن المقتل القانوني التي وقعت به إسرائيل، والذي شكل مركز القوة والمتانة في الدعوى التي رفعتها جمهورية جنوب إفريقيا باتهام إسرائيل بالإبادة الجماعية في قطاع غزة، والذي يرقى لمستوى الإدانة المنطقية، هو الركن المعنوي الجلي والواضح الذي تسابق إليه المسؤولون والقادة والجنرالات العسكريين الإسرائيليين والذي تسابقوا جميعاً كلُ يدلو بدلوه حتى بات النية واضحة جليه بعقدها العزم لارتكاب الإبادة الجماعية والتي يصعب بل يستحيل نفيها أمام قضاة المحكمة، حيث اقترنت هذه النية بالأفعال الممارسة في قطاع غزة والتي اعتبرتها المادة رقم (2) من الأفعال التي تندرج في سياق الإبادة الجماعية.
وللتوضيح المقصود، فقد نصت المادة رقم (2) من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها على:" في هذه الاتفاقية تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه: (ا) قتل أعضاء من الجماعة. (ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة. (ج) إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً. (د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة. (ه) نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى" .
وبالتمعن في نص المادة أعلاها، فقد ربطت المشرع الدولي ارتكاب الأفعال الخمسة المصنفة من الأفعال المفضية إلى الإبادة الجماعية بالقصد المسبق لتحقيق نتائج أيٍ من هذه الأفعال، وهي إفناء جزء من جماعة أو إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة إلى أخر الأفعال الخمسة، فجاء نص المادة- في هذه المادة تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية المرتكبة قصداً، فلم يقتصر المشرع الدولي على اعتبار الأفعال الخمسة تعبيراً عن الإبادة الجماعية إلا إذا اقترنت بالركن المعنوي، بمعني النية المبيتة، والنية هي عقد العزم في النفس على تحقيق نتيجة ما بقصد، ويصعب على القاضي إثباتها إلا إذا صرح بها الفاعلون جهاراً نهاراً وبإصرارٍ كما فعل قادة إسرائيل ومسؤوليها وجنرالاتها وقادتها العسكرين ووزرائها وبرلمانيوها وعلى المستوى الأول من القيادة، فمنهم من دعى إلى استخدام السلاح النووي للقضاء على غزة، ومنهم من صرح بأن لا ماء ولا غذاء ولا وقود، ومنهم من وصف الغزيين "بالحيوانات البشرية"، ومنهم من اعتبر الغزيين هدفاً وقتلة من الرضيع إلى المسن، ومنهم من طالب بحرق غزة، ومنهم من طالب بإفراغها وتهجيرها، والقائمة تطول، وهذا هو جوهر الركن المعنوي الذي ساقته جمهورية جنوب أفريقيا في دعواها، وأسندته بالأدلة والحجج والوثائق والتقارير الموثقة وربطت هذه النوايا بالأفعال والممارسات الحربية الإسرائيلية على الأرض في قطاع غزة، وهذا ما ركزت على لائحة الدعوى التي صاغاها قانونيون محنكون من جمهورية، فاتسمت هذه الدعوى بالدعوى التاريخية من حيث أخلاقياتها وإنسانيتها وقوتها ومتنتها التي ترقى إلى الإدانة، ولهذا، نلاحظ في هذه الأيام هستيريا التبرير ومحاولات التنصل من تلك التصريحات والادعاء بأنها لا تنم عن قصد، ولكن أمام العدالة والقضاء، وامام اتساق النية المصرح عنها مع الممارسات الفعلية في قطاع غزة خلال مئة يوم، وهذا يفسر تصريح نتنياهو بعد جلسات الاستماع، بادعائه بأن محكمة العدل الدولية غير مختصة بهذا الملف، وإن ما يدور في قطاع غزة يخضع لقانون النزاعات المسلحة، لكنها محاولة يأسة ومناورةُ هزيلة، فاقتران النية بالأفعال الخمسة، تحقق شروط الإبادة الجماعية بشكل دامغ، فلا تستطيع إسرائيل تجريد ممارساتها الحربية التي جرت القتل والدمار والفناء من الركن المعنوي" النية المصرح عنها" لتدعي أن القتل والتدمير جاء نتيجة لتعقيدات المعركة وبالتالي خضوعها لقانون النزاعات والادعاء بعدم اختصاص محكمة العدل العليا، وهذا ما يدركه القانونيون في إسرائيل وما يرعب ويقلق قادتها من قرار محكمة العدل الدولية المنتظر.