رسائل تكتب مني، وترسل إليّ.." بهذه الكلمات البسيطة عبرت أفنان علي عما تفعله بشكل يومي، حيث يستخدم تطبيق "الواتساب" بطريقة مختلفة، هي لا تراسل أصدقاءها ومعارفها فقط، بل تراسل ذاتها بشكل يومي ولأسباب عدة.
حياتها سريعة الوتيرة، جعلتها تنسى مهامها، فقامت لأول مرة بإرسال ما عليها فعله لنفسها عبر تطبيق "الواتساب"، لكنها لم تتوقف على ذلك، فعندما انتهت، قامت بتقديم الشكر لذاتها وإرسال كلمات تحفيزية.
أفنان تبين أن هذه الخطوة غير المقصودة تترك أثرا كبيرا في نفسها، هي اليوم لا تنتظر الشكر والامتنان والتحفيز من أحد، فهي قادرة على الحديث مع ذاتها بشكل مباشر وبطريقة غير تقليدية حتى أن أفكارها باتت أكثر ترتيبا.
يكاد لا يغيب التوتر والقلق عن الكثيرين، خصوصا مع عالم سريع الإيقاع ومليء بالتحديات النفسية والاجتماعية. حتى أن البعض استخدم التكنولوجيا لتذكير نفسه بالحياة وبالمهام المترتبة عليه، ومنهم من استخدمها لتكون حافزا يوميا للذات وكل ذلك من خلال إرسال رسائل "واتساب" تكتب بكل شفافية إذ برزت ظاهرة جديدة يعبر فيها الأفراد عن أنفسهم من خلال إرسال رسائل لأنفسهم عن طريق هذا التطبيق.
هذه الممارسة التي قد تبدو غريبة للبعض، تحمل في طياتها تواصلا إنسانيا عميقا مع الذات، حيث يستخدمها الناس لتذكر المهام، والحديث عن الضغوط، أو حتى تشجيع النفس في لحظات الضعف.
المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني تفسر هذا السلوك بوصفه جزءا من ديناميكية الدعم الذاتي الحديث. وإرسال الرسائل للنفس شكل من أشكال الإرشاد النفسي الذاتي، حيث يسمح للفرد بإنشاء حوار داخلي مكتوب يساعد على تنظيم المشاعر والأفكار.
وتقول الكيلاني إن هذه الرسائل ليست فقط وسيلة للتذكير، بل أداة لفهم الذات والتعبير عما يعانيه الفرد من إجهاد نفسي، فهي تشبه جلسة علاجية قصيرة تسمح للناس بالتنفيس عن الشكوى والتذمر، لكن أيضا لتعزيز مشاعر التشجيع والتحفيز الذاتي.
وتوضح أن هذا الأسلوب الرقمي يمثل تطورا لعلاقة الفرد مع ذاته في زمن يكثر فيه الضجيج الخارجي.
أما اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي فيبين أهمية هذه الظاهرة من منظور اجتماعي، حيث يعتقد أن الحديث مع النفس عبر الرسائل يمثل رد فعل على التوترات الاجتماعية والعزلة التي يعيشها الأفراد في زمن العولمة والارتباط الرقمي المكثف.
ويرى خزاعي أن الإنسان يتعاطى مع الضغوطات اليومية عبر هذه الممارسة التي تعيد له التوازن النفسي والاجتماعي، وتوفر له مساحة آمنة لإعادة بناء هويته الذاتية وسط متغيرات معقدة ومتسارعة.
ومن جانبه يؤكد أن هذه الرسائل تعكس الصراعات الداخلية بين القيم والتقاليد والضغط الاجتماعي، وهي وسيلة نقدية واعية لصياغة الذات بطريقة مبتكرة.
الثلاثينية ليلى موظفة في شركة لتنظيم المناسبات وتعاني من ضغوط العمل وتوتر متواصل بسبب مواعيد نهائية متقاربة.
تقول ليلى "كنت أرسل لنفسي يوميا رسائل صغيرة تذكرني بأخذ فترات استراحة قصيرة أو أعبر فيها عن استيائي من بعض الصعوبات، لكن في الوقت نفسه أُرسل لنفسي عبارات تشجيعية مثل (أنت قوية وقادرة على تخطي هذا)."
وتضيف ليلى أن هذه المراسلات تساعدها على تقليل التوتر والحفاظ على تركيزها، وتمنحها شعورا بالتحكم الداخلي.
تطبيق "الواتساب" بتقنياته يمكن أي مستخدم له بإرسال رسائل لنفسه بسهولة عبر إنشاء محادثة مع رقمه، أو باستخدام ميزة "Message Yourself" التي أطلقها تطبيق واتساب مؤخرا، والتي تهدف إلى تسهيل عملية إرسال التذكيرات والملاحظات والرسائل الشخصية.
هذه الميزة متاحة في نسخ التطبيق على أنظمة أندرويد وiOS، وتوفر بيئة مناسبة لإدارة المهام والرسائل الشخصية في مكان واحد.
تتفق الكيلاني وخزاعي على أن هذه التقنية تعكس تحولات عميقة في ممارسات التواصل الذاتي، وهي دليل على حاجة الإنسان إلى مرونة في التعبير والتواصل مع ذاته بعيدا عن أحكام الآخرين.
واعتماد هذه الطريقة بشكل واسع بين فئات الشباب والمراهقين يشير إلى تطور طبيعة العلاقات مع النفس في ظل بيئة رقمية متغيرة.
وتشير الكيلاني إلى أن تعزيز هذه الممارسة يمكن أن يكون جزءا فعالا من الإستراتيجيات النفسية الحديثة، إذ إنها تساعد الأفراد على تحقيق نوع من التوازن النفسي والذاتي.
ويضيف خزاعي أن الفهم الاجتماعي لهذه الظاهرة يساعد على دعم الأفراد ومساعدتهم على بناء هويات متماسكة وصحية من خلال وسائل تكنولوجية تناسب العصر الحديث.
صار "الواتساب" أكثر من مجرد وسيلة للتواصل مع الآخرين، بل أصبح وسيلة تواصل أساسية مع الذات، تتيح للكثيرين إيجاد مساحة يقل فيها الضجيج الخارجي، ويزداد فيها الحوار الداخلي البناء والداعم. وهذه الرسائل التي لا ترسل إلا للذات هي شهادة عصرية على كيفية تحول التكنولوجيا إلى أدوات علاج شخصي، وسلوك نفسي جديد يترجم احتياجات الذات المعاصرة للتفاهم والتذكير بالذات.
وهذه الرسائل ليست مجرد محاولة لتذكر مهام أو مواعيد، بل هي حوار إنساني نفسي واجتماعي مستمر مع الذات في زمن يتطلب الكثير من القوة والوضوح الداخلي.