تمتدُّ ذاكرة القدس العريقة لتسجّل أسماء قبائلٍ كان لها أثرٌ بارز في نسيجها الاجتماعي والسياسي خلال العهد العثماني، ومن أبرزها قبيلة بني حسن التي خلدت وجودها في التاريخ الفلسطيني من خلال مجموعة قرى حملت اسمها، فصارت تُعرف باسم قرى بني حسن، شاهدةً على حقبةٍ من النضال والبناء والعراقة.
جذور النسب والانتماء
ترجع أصول قبيلة بني حسن إلى السادة الحسينيين الذين استقرّوا في المناطق الغربية من القدس، لا سيما في وادي الصرار ووادي النسور. وقد ارتبط اسمهم بالقيادة والشجاعة والنسب الرفيع، حتى أصبحت مشيختهم من المشيخات المرموقة التي لعبت دوراً محورياً في إدارة شؤون القرى وجمع الضرائب نيابةً عن الدولة العثمانية، في وقتٍ كانت فيه القدس مركزاً روحياً وسياسياً بالغ الأهمية.
من الجنوب الأردني إلى القدس الشريف
تروي المصادر التاريخية أن قدوم قبيلة بني حسن إلى القدس كان في عهد صلاح الدين الأيوبي، حين شارك أبناؤها في حملة تحرير القدس من الصليبيين. وبعد النصر، أقطع صلاح الدين القبائل المقاتلة أراضٍ حول القدس وجبالها تقديراً لمشاركتها في المعركة، وكان من بينها قبيلة بني حسن التي اتخذت من تلك المناطق موطناً لها، لتسهم في تعمير الأرض ونشر الأمن والاستقرار.
قرى بني حسن.. ذاكرة المكان والزمان
تكوّنت ناحية بني حسن، التي كانت تتبع إدارياً للّواء القدس في العهد العثماني، من مجموعة قرى عُرفت بعراقتها وتاريخها الطويل، منها:
ويُعتقد أن عين كارم وصوبا كانتا أيضاً ضمن هذه الناحية، سواء بشكل فعلي أو إداري.
هذه القرى، التي كانت تشكّل وحدة جغرافية واجتماعية متماسكة، ازدهرت بالزراعة والحياة القروية الفلسطينية الأصيلة، كما تميزت بموقعها الاستراتيجي في محيط القدس، حيث كانت تُعدّ خط الدفاع الأول عن المدينة المقدسة.
مشيخة بني حسن ودورها في العهد العثماني
كان نظام المشيخات سائداً في أواخر العهد العثماني، وكان شيخ بني حسن يتمتع بسلطةٍ محلية واسعة، يجمع الضرائب وينظم شؤون الناس، ويمثل رابطاً بين القبيلة والسلطة المركزية في إسطنبول. وقد ساهم هذا النظام في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لتلك القرى، وأضفى على بني حسن مكانةً مرموقة في النسيج الفلسطيني.
إرث خالد في الوجدان
رغم تغيّر الحدود وتبدّل الأنظمة، ما تزال قرى بني حسن في القدس، وعلى رأسها قرية المالحة، رمزاً للأصالة والعراقة، ودليلاً على عمق الترابط بين الشعبين الأردني والفلسطيني، حيث امتزجت الدماء والنسب والتاريخ في دفاعٍ مشتركٍ عن الأرض المقدسة.
لقد بقيت قبيلة بني حسن، بما تمثله من قيم الفروسية والانتماء، شاهدةً على مرحلةٍ مجيدة من تاريخ القدس، ومثالاً حياً على وحدة الهوية العربية والإسلامية التي جمعت أبناء الأمة على مرّ العصور.
القدس ما تزال تحفظ في حجارتها أسماءهم، وفي ترابها عبق تاريخهم، وفي ذاكرة أهلها صدى بطولاتهم.