يواجه قطاع غزة أزمة صحية حادة تهدد مرضى العيون، بعد إصابة آلاف المدنيين خلال الحرب الإسرائيلية، بينهم أطفال قد يفقدون البصر بشكل دائم، نتيجة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وتعطل العمليات الجراحية التخصصية.
ويحاول الطفل محمد شاهين البالغ 13 عاما والفاقد للبصر في عينه اليمنى، التنقل بمساعدة والدته داخل مستشفى العيون في غزة، بحثًا عن العلاج لإنقاذ عينه اليسرى من التلف بعد إصابته خلال قصف إسرائيلي استهدف منزله في العدوان الإسرائيلي الأخير.
وتقول والدة الطفل شاهين، لمراسل وكالة الأنباء القطرية "قنا"، منذ فقدان ابني البصر في إحدى عينيه، ونحن نحاول مع كافة الأطباء والمستشفيات المتخصصة أن ننقذ الأخرى من التلف جراء تعرضها لإصابة كبيرة، لكن واقع وحال المستشفيات والتوقف عن إجراء عمليات العيون لنقص الأجهزة والأدوية والأدوات الطبية الخاصة بذلك يهدد ابني بأن يصبح كفيفا طيلة حياته.
وتعتبر حالة الطفل شاهين، واحدة من آلاف الفلسطينيين الذين أصيبوا بجراح في عيونهم خلال عامي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نسبة كبيرة منهم من الأطفال، ويتهدد الخطر حياتهم في ظل استمرار تداعيات العدوان الإسرائيلي والحصار المفروض على القطاع، والذي يمنع الاحتلال من خلاله، سفر الحالات الحرجة للعلاج في الخارج، أو دخول الأدوية والأجهزة الطبية والمستلزمات التي تمكن الأطباء من إجراء العمليات التخصصية والمعقدة، ومنها جراحات وعمليات العيون للمصابين والمرضى على حد سواء.
وفي تعليق له، يؤكد الدكتور عبدالسلام صباح، مدير مستشفى العيون التابع لوزارة الصحة بقطاع غزة، واستشاري طب وجراحة العيون، أن مصابي العيون جراء الحرب الإسرائيلية، يواجهون خطرا حقيقيا بفقدان بصرهم بسبب نقص العلاجات والأجهزة المناسبة لعلاجهم، لافتا إلى أن المستشفى يسجل يوميًا حالات فقدان بصر لمصابين ومرضى، نتيجة عدم القدرة على توفير العلاج المناسب لهم أو إجراء التدخلات الجراحية اللازمة، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في حصاره للقطاع، ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية.
وقال صباح في حديث لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن العديد من إصابات العيون تتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا، لا سيما الإصابات التي تتعرض فيها مقلة العين للاختراق ودخول شظايا إلى داخلها، وهو ما يؤدي إلى التهابات خطيرة قد تنتهي بفقدان العين بشكل كامل والاضطرار إلى تفريغها، مؤكدا أن تأخير التدخل المباشر في مثل هذه الحالات يؤدي إلى فقدان البصر كليا بما لا يمكن تداركه لاحقا.
وأوضح أن عدد مصابي الحرب على غزة تجاوز وفقا لإحصاءات الصحة نحو 171 ألف إصابة، مبينًا أن حوالي 11 بالمئة منها هي إصابات في العيون، أي ما يعادل قرابة 17 ألف إصابة، يشكّل الأطفال 20 بالمئة منها وهم الأكثر عرضة لفقدان البصر بسبب ضعف مناعتهم، ما ينذر بارتفاع أعداد ذوي الإعاقة البصرية في المجتمع.
ولفت صباح إلى أن عدد المصابين الذين فقدوا بصرهم خلال الحرب على غزة تجاوز الـ3 آلاف مصاب، مع عدم توفر إحصائيات نهائية دقيقة حتى الآن، متوقعا أن الأعداد الحقيقية لمصابي العيون عند حصرها بشكل رسمي ونهائي ستكون أكبر وصادمة للواقع.
وشدد مدير مستشفى العيون في غزة، أن الفرق الطبية المتخصصة في جراحات العيون، تعاني من عجز حاد في الإمكانيات، في ظل عدم توفر الأجهزة الطبية اللازمة، واستمرار منع الاحتلال لآلاف مرضى ومصابي العيون من تلقي العلاج خارج القطاع، مبينا أن مصابي العيون غالبًا لا يُسمح لهم بالسفر للعلاج خارج قطاع غزة، بحجة أنهم ليسوا من أولويات إنقاذ الحياة، رغم ما يواجهونه من إعاقات بصرية دائمة تهدد حياتهم.
وذكر صباح أن المستشفى التخصصي للعيون في غزة والذي تم ترميمه مجددا عقب تدميره خلال العملية العسكرية الأخيرة للاحتلال في مدينة غزة قبل وقف إطلاق النار، يركز حاليًا عمله على إجراء العمليات الطارئة والمنقذة لمقلة العين والبصر، مثل ترميم وإغلاق الجروح، ومحاولة تقديم العلاج بما يتاح من إمكانيات بسيطة، محذرا من أن المستهلكات الطبية ستنفد خلال أقل من شهرين، وهو ما سيؤدي إلى توقف كامل للتدخلات الجراحية الطارئة لمرضى ومصابي العيون في قطاع غزة.
وفي ذات السياق، أوضح الدكتور إياد أبو كرش، رئيس قسم العمليات والتخدير في مستشفى العيون بغزة، أن المستشفى استقبل في شمالي قطاع غزة فقط نحو 2077 إصابة في العينين منذ يناير 2024 وحتى سبتمبر 2025، لافتا إلى أن إصابات العيون تشكل 5 بالمئة من مجمل إصابات الحرب خلال تلك الفترة فقط.
وقال الدكتور إياد في حديث لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن 18 بالمئة من الإصابات أدت إلى تفريغ العين، فيما تضمنت 34 بالمئة من الإصابات وجود أجسام غريبة داخل العين، وتعرض 9 بالمئة من المصابين لإصابة في كلتا العينين، مما يزيد احتمالات فقدان البصر بشكل كامل ودائم.
من جهته، أعرب محمد خيري منسق مركز غزة لحقوق الإنسان، عن بالغ قلقه إزاء الارتفاع الخطير في أعداد إصابات العيون خلال العدوان العسكري الإسرائيلي، في ظل استمرار جيش الاحتلال منع دخول الأجهزة الطبية الأساسية اللازمة لإنقاذ البصر وتشخيص إصابات الحرب.
وقال خيري في تصريح مماثل "قنا"، إن توثيق المركز الحقوقي وشهادات المصابين التي جمعها، تشير إلى تعمد جيش الاحتلال إحداث إعاقات دائمة لدى المدنيين الفلسطينيين بما في ذلك استهدافهم المباشر بالقنص في أعينهم إلى جانب الإصابات الناجمة عن القصف واستخدام مقذوفات تنشر كمية كبيرة من الشظايا.
وكشف أن نحو 5 آلاف مريض ومصاب في العيون مهددون بفقد نظرهم كليا أو جزئيا جراء الحرمان من العلاج، بسبب تدمير الاحتلال البنية التحتية لمستشفى العيون، والمولدات الكهربائية والأجهزة الجراحية، ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات والمستهلكات الطبية، حيث أدى نقص العلاجات لتفاقم أمراض خطيرة مثل ارتفاع ضغط العين، القرنية، الشبكية، المياه البيضاء، ما يهدد المرضى بالعمى الدائم.
وبين أن نحو 2400 مريض على قوائم الانتظار بحاجة عاجلة لعمليات جراحية لا تتوفر إمكانياتها داخل غزة، مشددا على أن جيش الاحتلال لم يكتف بإيقاع الإصابات بل يتعمد حرمان المصابين من العلاج سواء بمنع السفر أو إعاقة إدخال الأجهزة الطبية والمعدات اللازمة.
ونبه منسق المركز الحقوقي إلى أن مستشفى العيون في غزة، يعاني من نقص شديد في الأجهزة التشخيصية الأساسية اللازمة للتعامل مع إصابات الحرب، بسبب رفض الاحتلال إدخال هذه الأجهزة رغم استعداد مؤسسات دولية لتحمل تكلفتها بالكامل، ما يضطر الطاقم الطبي لتقديم العلاج الأولي باستخدام أدوات بسيطة ومعدات بدائية لا تتناسب مع حجم وخطورة الإصابات.
وأكد أن استمرار منع دخول الأجهزة والمستلزمات الطبية يشكل جريمة عقاب جماعي وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة.
ويعاني قطاع الصحة والمستشفيات في غزة، من نقص الأدوية اللازمة للعلاج، والأجهزة المتخصصة في إجراء العمليات التخصصية والجراحية والدقيقة، حيث دمر الاحتلال عددا من المستشفيات الرئيسية في القطاع وأخرجها عن الخدمة، فيما يعاني ما تبقى منها من انعدام الأجهزة والمستلزمات الطبية، ما يشكل خطرا على حياة الجرحى والمرضى، وتفاقما للحالة الإنسانية التي يعيشها نحو مليوني محاصر في القطاع يمنع عنهم الاحتلال المساعدات الإنسانية.