في قلب عروس الشمال إربد، وبينما كانت شمس عام 1976 م تشرق على تلال الأردن، وُلد حلمٌ أكاديمي بموجب إرادة ملكية سامية، سرعان ما تحول إلى منارة معرفية تجاوزت حدود الوطن. اليوم، تقف جامعة اليرموك في يوبيلها الذهبي، شاهدةً على مسيرة خمسين عاماً لم تكن مجرد أرقام في رزنامة الزمن، بل كانت ملحمة بناء جيل تلو الآخر وقصة نجاح وطنية تُكتب بمداد من نور.
دلالة الاسم : تيمناً بظلال النصر
لم يكن اختيار اسم " اليرموك " وليد الصدفة، بل جاء تيمناً بـ " معركة اليرموك الخالدة " التي وقعت على مقربة من موقعها الجغرافي، تلك المعركة التي غيرت مجرى التاريخ الإسلامي والعالمي. فكان الاسم يحمل في طياته رسالة عميقة، بأن هذه الجامعة هي امتداد لسيادة الفكر وفتح لآفاق العلم، لتكون " يرموكاً " جديدة في معارك البناء والنهضة المعرفية.
جدلية المكان : من " المؤقت " إلى " الدائم " وقصة الانفطار
شهدت اليرموك قصة فريدة في اختيار موقعها، فقد بدأت مسيرتها في الموقع الحالي ( المؤقت سابقاً ) داخل مدينة إربد، والذي اختير ليكون قريباً من النسيج الاجتماعي والخدمات اللوجستية لتسهيل انطلاقة الجامعة السريعة. بينما كان المخطط الشمولي يتجه نحو " الموقع الدائم " في جنوب مدينة الرمثا بمساحاته الشاسعة ليتسع لكافة الكليات بما فيها العلمية والطبية والهندسية.
وهنا تبرز العلاقة الوشيجة بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، ففي عام 1986م، وبموجب قرار هيكلة التعليم العالي، انفصلت الكليات الطبية والهندسية التي كانت قائمة في موقع الرمثا ( الموقع الدائم لليرموك آنذاك ) لتشكل نواة " جامعة العلوم والتكنولوجيا "، بينما استقر " قلب اليرموك " في موقعه الحالي بإربد ليصبح هو المقر الدائم والشرعي، في توأمة تاريخية جعلت من الجامعتين قطبين متكاملين للعلم في شمال المملكة.
اعتزاز شخصي : حين تلامس الروح عبق التاريخ
إن حديثي عن اليرموك يتجاوز المقال الصحفي، فهو بوحُ ابنٍ بارٍّ نهل من معينها الصافي. فأنا أعتز وأفتخر بأنني كنت يوماً أحد طلاب هذا الصرح العظيم في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا، وتحديداً في " قسم التاريخ " بكلية الآداب العريقة. هناك، بين ثنايا المصادر والمراجع والمخطوطات ودروس الحضارة، تعلمت أن التاريخ ليس مجرد سردٍ للماضي، بل هو الأساس الرصين الذي نبني عليه مستقبلنا. لقد غرزت اليرموك في وجداني قيم البحث العلمي والتمحيص، وهي السمات التي تميز خريجي هذه المدرسة الجامعة التي تزرع الأنفة والفكر الحر في نفوس أبنائها.
صروح المعرفة : من كليات التأسيس إلى الحداثة
توسعت اليرموك لتصبح مدينة علمية متكاملة، تضم طيفاً واسعاً من التخصصات التي تدمج بين الأصالة والعلوم الحديثة :
كليات البناء الأول : تبرز كلية العلوم بمختبراتها المتقدمة كحاضنة للاكتشاف، وكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية التي رفدت القطاع المالي العربي بقيادات فذة، وصولاً إلى كلية التربية التي صاغت نظريات التعليم الحديثة وخرجت أجيالاً من المربين والقادة التربويين.
الكليات المستحدثة والطبية : استجابةً لمتطلبات العصر، شهدت الجامعة قفزة نوعية باستحداث كليتي الطب والصيدلة والكليات الطبية المساندة، التي أصبحت خلال سنوات قليلة رقماً صعباً في التعليم الطبي، جنباً إلى جنب مع كلية القانون بمحاكمها الصورية، وكلية الفنون الجميلة التي لونت سماء الإبداع، وكلية الإعلام التي تظل " المدرسة الأولى " والوجه المشرق للجامعة إقليمياً.
بيئة جامعية نابضة : مرافق تصنع الحياة
لا تقتصر الحياة في اليرموك على القاعات الدراسية، بل هي حالة شعورية تسكن الذاكرة في مرافقها المتميزة :
مكتبة الحسين بن طلال : لؤلؤة الجامعة وعقلها المركزي، المنارة التي تضم بين رفوفها مئات الآلاف من المراجع والكنوز المعرفية.
المجمع الرياضي : حيث يزأر ملعب كرة القدم بهتافات الشباب، وتتألق الصالة الرياضية ( الجمنازيوم ) كحاضنة للبطولات والنشاط البدني الذي يصقل الروح قبل الجسد.
عمادة شؤون الطلبة : هي " البيت الدافئ " ومحرك الحراك الطلابي، حيث تُصنع القيادات الشابة عبر الأندية والمبادرات التي تجعل من الطالب شخصية فاعلة ومؤثرة.
سدنة المعرفة : قامات صنعت المجد
شهدت الجامعة تعاقب قامات فكرية وأكاديمية رسمت ملامح نجاحها :
أبرز الرؤساء : يبرز اسم المؤسس الأستاذ الدكتور عدنان بدران الذي وضع الرؤية الأولى للجامعة، والأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت المؤرخ الكبير الذي أثرى المكتبة العربية، والدكتور علي محافظة والدكتور مروان كمال والدكتور فايز خصاونة وغيرهم من الرؤساء الذين قادوا السفينة بتميز.
أشهر الأكاديميين : ضمت الجامعة نخبة من " الدكاترة والمدرسين " الذين تحولوا إلى رموز فكرية، نذكر منهم القامات التي درست في قسم التاريخ والآثار واللغات، والذين لم يكونوا مجرد ناقلين للمعلومة، بل كانوا " آباءً روحيين " لأجيال من الباحثين.
مراكز التميز والبحث
تتجاوز اليرموك الدور التدريسي عبر مراكزها المتخصصة التي تعد بيوت خبرة عالمية، مثل :
القرية الانجليزية ومركز اللغات : الذي يعد جسراً ثقافياً لتعلم العربية لغير الناطقين بها.
مركز الملكة رانيا للدراسات التربوية والخدمة المجتمعية.
مركز الدراسات الروائية واللاجئين والهجرة.
اليرموك وإربد : قصة عشق وتنمية
لا يمكن ذكر إربد دون اليرموك؛ فالعلاقة بينهما هي "علاقة الروح بالجسد ". لقد أحدثت الجامعة تحولاً جذرياً في هوية المدينة :
الاقتصاد المحلي : أنعشت الجامعة الحركة التجارية في " شارع الجامعة " الشهير، وحولت المناطق المحيطة إلى مراكز حيوية للسكن والخدمات.
الحراك الثقافي والاجتماعي : تحولت إربد بفضل الجامعة إلى عاصمة للثقافة، حيث تداخل نسيج الطلبة العرب والأجانب مع المجتمع المحلي، مما خلق بيئة منفتحة ومتسامحة. إن اليرموك هي التي منحت إربد لقب " عروس الشمال " المثقفة.
استشراف المستقبل : نحو المئوية الثانية
بينما تطفئ اليرموك شمعتها الخمسين، تفتح أبواباً واسعة نحو تخصصات المستقبل، من " الأمن السيبراني " إلى " الذكاء الاصطناعي ". إن الاحتفال باليوبيل الذهبي ليس احتفاءً بالماضي بقدر ما هو تجديد للعهد مع المستقبل، لتظل اليرموك شابةً بأفكارها، متجددةً بطموح أبنائها، ومستعدةً لتكون " جامعة ذكية " تخدم التنمية المستدامة.
سلامٌ على اليرموك، منارة العلم وراية المجد، وخمسون عاماً من العطاء المستمر.