في مطلع عام 1977 م، لم تكن دائرة الأحوال المدنية مجرد مكاتب ومعاملات، بل كانت " ورشة عمل " كبرى لصياغة الهوية الوطنية. وسط ندرة الإمكانيات وضجيج الازدحام، برز اسم المرحوم رفاعي الهزايمه، القائد الذي لم يكتفِ بإدارة الأزمة، بل استشرف المستقبل بالكمبيوتر وهو في قلب " العمل اليدوي "، ليضع حجر الأساس لمؤسسة سيادية نفاخر بها اليوم.
هندسة البدايات من العدم :
لم يكن الراحل رفاعي الهزايمه مجرد مسؤول حكومي تقليدي، بل كان " مهندس مرحلة الانتقال " من الإدارة الورقية المشتتة إلى العمل المؤسسي الحديث. تسلم مهامه كأول مدير عام لدائرة الأحوال المدنية في وقت كانت فيه الدولة الأردنية تخوض معركة " التنمية الإدارية " لتنظيم الهوية الوطنية وتوثيق السجلات الحيوية لمواطنيها.
أ ) معركة التأسيس ( الواقع مقابل الطموح ) :
عند مباشرة العمل الفعلي للدائرة في 1 / 1 / 1977 م، واجه الهزايمه واقعاً ميدانياً شديد القسوة، حيث كانت المهمات الإدارية قبل ذلك التاريخ موزعة بين وزارة الصحة ( لسجلات المواليد ) والمحاكم الشرعية والمخاتير.
نجح الهزايمه في لمّ شتات هذه البيانات وتركيزها في مرجعية قانونية واحدة، رغم أن الدائرة بدأت العمل بظروف لوجستية شبه معدومة تمثلت بمايلي :
1 ) عجز الكادر : باشر الموظفون مهامهم بأقل من 30 % من الكادر الوظيفي المقرر.
2 ) تواضع الإمكانيات : مكاتب تفتقر لأبسط المقومات كالكراسي والطاولات، مما اضطر الفريق للعمل في ظروف استثنائية لإنجاز معاملات المواطنين المتراكمة.
ب ) التحول من العشوائية إلى المأسسة :
شهدت فترة إدارة الهزايمه تحولاً جذرياً في فلسفة التعامل مع الجمهور والبيانات، برزت في ثلاثة ملامح جوهرية :
1 ) المركزية السيادية : انتقال الصلاحيات لجهة واحدة، مما منح الوثيقة الأردنية مصداقية قانونية وأمنية عالية.
2 ) التدريب أثناء الخدمة : لم ينتظر الهزايمه اكتمال الكادر، بل استحدث نظاماً لتدريب الموظفين وهم يواجهون الجمهور وجهاً لوجه لضمان استمرار العمل.
3 ) إدارة الأزمات الجماهيرية : تعامل بحزم مع مشهد " تزاحم المواطنين على النوافذ "، محولاً حالة الفوضى إلى نظام " الدور والشبابيك " المنظم، وهو ما وضع حجر الأساس للهدوء الإداري الحالي.
ج ) الرؤية التقنية ( نبوءة العقل الإلكتروني ) :
تميزت رؤية رفاعي الهزايمه بالاستشراف القائم على العلم؛ ففي الوقت الذي كان فيه العالم العربي لا يزال يعتمد كلياً على الورق، بشّر الهزايمة في عام 1977 م بقرب إدخال " العقل الإلكتروني " ( الكمبيوتر ) إلى الدائرة. كان يدرك أن الانفجار السكاني يتطلب أرشفة رقمية سريعة، مما جعل الدائرة من أوائل المؤسسات الأردنية التي تبنت مفهوم " التحول الرقمي " في مراحله الجنينية.
د ) الإرث والأثر المستدام :
إن القيمة الحقيقية لما قدمه الهزايمه تكمن في " الصلابة الإدارية "، فقد استطاع تحويل نصوص قانون الأحوال المدنية لعام 1966 م من " حبر على ورق " إلى مؤسسة تنبض بالحياة في عام 1977م.
رحل الهزايمه وبقيت مؤسسته شاهدة على جيل من الرواد الذين بنوا الدولة بإرادة عظيمة. إن ما نراه اليوم من خدمات إلكترونية وسرعة في إنجاز الهوية وجواز السفر، هو الثمرة الناضجة للبذرة التي زرعها في تلك الشهور الصعبة.
واخيرا، يظل رفاعي الهزايمه نموذجاً للمسؤول الميداني الذي لم تمنعه قلة الموارد من بناء صرح سيادي وطني، محولاً " تزاحم النوافذ " إلى قصة نجاح إداري تدرس في تاريخ التنمية الأردنية.
الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
( أكاديمي وباحث في التاريخ الحضاري والاجتماعي والسياسي ).