في الزمن الذي تُقاسُ فيه الدولُ بكرامةِ إنسانها قبل أرقامِ موازناتها، يخرج علينا قرارُ رفعِ سنّ التقاعد كأنه معادلةٌ باردة، تُكتَبُ بحبرِ الاقتصاد وتُمحى بعرقِ العاملين. قرارٌ يبدو للوهلة الأولى إجراءً حسابيًّا، لكنه في جوهره سؤالٌ أخلاقيٌّ يمسّ معنى العمل، وحدود الجسد، وحقَّ الإنسان في أن يحيا ما تبقّى من عمره بطمأنينةٍ لا بإنهاك.
ليس التقاعدُ محطةَ انسحاب، بل موسمُ حصاد. هو اللحظة التي يستردُّ فيها العاملُ سنواتٍ أنفقها في بناءِ مؤسساتٍ ومدنٍ وأوطان. فكيف يتحوّل هذا الموسم إلى سرابٍ يُؤجَّل كلما اقتربت خطاه؟ وكيف يُعاد تعريف الكرامة لتصبح قدرةً على الاستمرار لا حقًّا في الراحة؟
تستند الحكوماتُ في تبريرها إلى أرقامٍ لا تُجادَل: ارتفاعُ معدلاتِ الأعمار، ضغطُ صناديقِ الضمان، اختلالُ التوازن بين الداخلين إلى سوق العمل والخارجين منه. غير أنّ الأرقام، مهما بلغت دقّتُها، لا تُمسكُ بنبضِ القلب حين يثقل، ولا تعرفُ آلامَ الظهر الذي انحنى على خطوطِ الإنتاج، ولا تعبَ المعلّم الذي أفنى صوته بين السبّورات. الأرقامُ لا ترى، لكنها تُقرِّر.
رفعُ سنّ التقاعد قد يُنقذُ ميزانياتٍ اليوم، لكنه قد يُرهقُ أجسادًا غدًا. ففي قطاعاتٍ تعتمد على الجهد البدنيّ أو الضغط النفسيّ العالي، يصبحُ الاستمرارُ مخاطرةً على الصحة والإنتاج معًا. إنّ مساواةَ المهنِ في سنٍّ واحدةٍ للتقاعد تغفلُ الفوارقَ القاسية بين من يعمل في مكتبٍ مكيَّف، ومن يقفُ تحت شمسٍ لافحةٍ أو في وردياتٍ لا تعرفُ الليلَ من النهار.
ثمّة بُعدٌ آخر أكثرُ خفاءً: الشباب. حين يُغلقُ بابُ التقاعد، يتأخّرُ فتحُ أبوابِ الفرص. تتكدّسُ الطاقاتُ على الأرصفة، وتضيقُ مساراتُ الترقّي، ويتحوّلُ الانتظارُ إلى إحباطٍ مزمن. إنّ سوقَ العمل كالرئة؛ إن لم تتجدّد أنفاسُها اختنقت.
غير أنّ الإنصاف يقتضي القول: ليست كلُّ زيادةٍ ظلمًا، ولا كلُّ تثبيتٍ عدلًا. فمتوسطُ الأعمار ارتفع فعلًا، والقدراتُ الصحية تحسّنت لدى شرائح واسعة، والعملُ المعرفيّ لم يعد يستنزفُ الجسد كما في عقودٍ مضت. هنا تتبدّى الحاجةُ إلى حلٍّ لا يُقاسُ بقاعدةٍ واحدة، بل بمنظومةٍ مرنةٍ تُراعي طبيعةَ المهنة، وعددَ سنواتِ الخدمة، والحالةَ الصحية، وتمنحُ خياراتٍ عادلة بين التقاعدِ المبكر والتدرّج في الخروج من سوق العمل.
الحكمةُ ليست في شدّ الحبل إلى أقصاه، بل في توزيعِ العبء بعدل. لماذا لا يُعاد تصميمُ أنظمةٍ تسمح بالدوام الجزئيّ بعد سنٍّ معيّنة، أو بنقل الخبرات إلى أدوارٍ استشارية تُخفِّف الضغط وتحفظ القيمة؟ لماذا لا تُربطُ السياساتُ ببرامجَ حقيقيةٍ لإعادة التأهيل المهنيّ، بحيث لا يتحوّلُ التمديدُ إلى عبءٍ على الفرد والمؤسسة معًا؟
إنّ رفعَ سنّ التقاعد ليس قرارًا ماليًّا فحسب؛ إنه بيانٌ عن فلسفةِ الدولة تجاه إنسانها. أهو آلةُ إنتاجٍ حتى آخر نبضة، أم شريكُ بناءٍ يستحقُّ راحةَ المُشارِك بعد اكتمالِ الدور؟ بين هذين التصوّرين تتحدّد صورةُ المستقبل.
قد تُنقذُ القراراتُ صناديقَ اليوم، لكنّ الأوطانَ تُبنى على ثقةِ الغد. وإذا كان لا بدّ من الإصلاح، فليكن إصلاحًا يُصغي قبل أن يُصدر، ويُوازن قبل أن يُعمِّم، ويضعُ الكرامةَ في قلبِ المعادلة لا في هامشها.
لأنّ المساء ليس ترفًا في عمر الإنسان… بل حقٌّ طبيعيٌّ لمن أضاء نهارَ الوطن طويلًا.