غزة – يافا – دمشق.: يُعدّ حافظ بك السعيد (1843 – 1916) واحداً من أبرز أعلام الإدارة والإصلاح في فلسطين أواخر العهد العثماني، حيث جمع بين العمل الإداري والأدبي والنشاط السياسي، وترك بصمة واضحة في تاريخ مدينتي يافا والقدس.
وُلد حافظ السعيد في مدينة غزة عام 1843، لأسرة عُرفت بدورها الإداري في جنوب فلسطين العثمانية، فوالده الشيخ سعيد المصطفى شغل منصب متسلّم لواء غزة ويافا. وبعد وفاة والده وهو في عامه الأول، تولّى رعايته شقيقه مصطفى بك السعيد، الذي كان من رجال الإدارة البارزين وتولى مناصب مهمة في القدس وغزة ويافا.
تلقى السعيد تعليمه في القدس، فبرع في العلوم الدينية والدنيوية، وأجاد اللغتين العربية والتركية، وعُرف بإبداعه في النثر وقرض الشعر. بدأ مسيرته الإدارية مديراً لناحية الرملة ثم بيت لحم (1873-1874)، قبل أن يُرقّى إلى قائمقام بني صعب (طولكرم)، حيث أنعم عليه السلطان عبد الحميد الثاني برتبة "بالا” عام 1878، ليُلقب بـ”حضرة صاحب العطوفة”.
برز دوره في معالجة الخلاف الذي نشب في كنيسة المهد بين الرهبان الأرثوذكس واللاتين، حيث كلّفته الدولة العثمانية بإعداد تقرير يحدد حقوق الطوائف، فتم اعتماد تقريره رسمياً وتنفيذه.
وفي يافا، شغل منصب رئيس محكمة التجارة، وانتُخب عضواً في مجلس إدارتها، ثم عُيّن رئيساً لبلديتها عام 1882، حيث عمل على تحسين البنية التحتية وشق الطرق. ومنحه إمبراطور ألمانيا وسام "النسر الأحمر” عام 1898 خلال زيارته المدينة، كما نال "الرتبة الثانية المتمايزة” من الدولة العثمانية.
سياسياً، انتُخب عام 1908 نائباً عن متصرفية القدس في مجلس المبعوثان العثماني، إلى جانب محمد روحي الخالدي وسعيد الحسيني. وطالب باعتماد اللغة العربية لغة رسمية، كما تصدى لمسألة الاستيطان الصهيوني وبيع الأراضي، داعياً إلى إغلاق ميناء يافا أمام الهجرة اليهودية عام 1909.
وفي عام 1912، انضم إلى حزب اللامركزية الإدارية العثماني، وشارك في دعم "لائحة بيروت الإصلاحية”، مطالباً بتطبيق مبدأ اللامركزية في فلسطين، ومشدداً على أن الإصلاح هو السبيل الوحيد لحماية الدولة العثمانية من التدخلات الأجنبية.
اعتُقل عام 1915 ضمن حملة جمال باشا ضد القوميين العرب، وحُكم عليه بالإعدام، قبل أن يُخفف الحكم إلى السجن المؤبد لكبر سنه. وتوفي في سجن قلعة دمشق عام 1916، ويُعتقد أنه دُفن سراً في مكان مجهول.
ويبقى حافظ بك السعيد واحداً من رموز يافا وفلسطين، إذ جمع بين الإدارة والأدب والنضال السياسي، وضحّى بحياته دفاعاً عن الإصلاح وحقوق العرب في أواخر العهد العثماني.