تُعد سيرة الباشا علي خلقي الشرايري سجلًا حافلًا من النضال العسكري والسياسي، فهو أحد أبرز رجالات الرعيل الأول الذين ساهموا في صياغة تاريخ الأردن الحديث، وجسدوا الرؤية القومية العربية في أبهى صورها.
1. النشأة والتحصيل العلمي ( الطموح العابر للحدود ) :
ولد علي بن الحاج حسين الشرايري في مدينة إربد عام 1878م. تميز منذ صغره بطموح لا يحده مكان، فبعد إتمامه الدراسة الابتدائية في إربد، شد الرحال سيرًا على الأقدام إلى دمشق للالتحاق بالمدرسة الإعدادية العسكرية التي تخرج منها عام 1892م.
واصل تفوقه العلمي والعسكري ليلتحق بـ الكلية الحربية في إسطنبول عام 1895م، وتخرج برتبة ملازم ثانٍ عام 1902م. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل تخصص في كلية المدفعية ليترفع إلى رتبة ملازم أول عام 1905م، مما منحه خلفية عسكرية استراتيجية نادرة في ذلك الوقت.
2. المسيرة العسكرية في الجيش العثماني :
نال الشرايري لقب " خلقي " ( وهو لقب شرفي عثماني ) تقديراً لكفاءته. وتوزعت خدمته العسكرية على جبهات ساخنة، منها :
منطقة الدردنيل : كقائد للسرية السابعة مدفعية.
القوقاز وتركستان : حيث واجه الجيش الروسي وحقق انتصارات ميدانية منحه على إثرها " وسام الشجاعة من المرتبة الأولى ".
اليمن ( 1908م ) : شارك في مواجهة الثورات هناك وساهم في المفاوضات مع الإمام يحيى، ووصل حينها إلى رتبة " ميرلوا " ( أمير لواء ).
ليبيا ( 1911م ) : شارك في الدفاع عن ليبيا ضد الغزو الإيطالي قبل أن يعود لإسطنبول عام 1913م.
3. الثورة العربية الكبرى : الانحياز للهوية
جاءت التحول الأهم في حياته عند تعيينه حاكماً عسكرياً لمكة المكرمة. هناك، أعلن ولاءه لـ بالخطابات الحسين بن علي، ولم يكتفِ بالانضمام الفردي، بل استطاع إقناع الضباط والجنود العرب في الحامية التركية بالانضمام لجيش الثورة.
دوره في حشد القوى :
أوفده الشريف الحسين بن علي .إلى الهند عام 1918م لمهمة وطنية، نجح خلالها في إقناع 800 ضابط وجندي عرب ( كانوا أسرى لدى بريطانيا ) بالانضمام للثورة، وأبحر بهم من الإسكندرية إلى العقبة لتعزيز جيش الأمير فيصل بن الحسين.
4. النضال ضد الاستعمار الفرنسي ومعركة ميسلون :
تولى الشرايري مناصب إدارية وعسكرية حساسة في الحكومة العربية بدمشق، منها حاكم الكرك ثم حاكم الجولان. ومع اقتراب التهديد الفرنسي ( حملة الجنرال غورو ) :
قاد العمليات العسكرية السرية في القنيطرة عام 1919م ضد الفرنسيين.
أشرف على تنسيق جهود المجاهدين الأردنيين من لواء عجلون وبني عبيد والكورة وغيرها، والذين نفذوا عمليات ناجحة في " المطلة " و" مرجعيون ".
شارك ببطولة في معركة ميسلون الشهيرة إلى جانب القائد يوسف العظمة.
بعد انكسار الجيش العربي في ميسلون، أصدر المستعمر الفرنسي حكماً بالإعدام بحقه، مما اضطره للعودة إلى الأردن.
5. تأسيس إمارة شرق الأردن وحكومة إربد المحلية :
بعد سقوط الحكومة العربية في دمشق، كان للشرايري دور المحرك الأساسي في تنظيم الحكم بالأردن:
حكومة إربد ( حكومة عجلون ) : ترأس هذه الحكومة المحلية التي تأسست بعد مؤتمر أم قيس.
الرؤية الوحدوية : اشترطت حكومته تأسيس حكومة عربية وطنية برئاسة أمير هاشمي، مما مهد الطريق لاستقبال الأمير عبد الله الأول وتأسيس الإمارة عام 1921م.
المناصب الوزارية : دخل أولى الحكومات المركزية، وتولى منصب ناظر المعارف (وزير التربية والتعليم) عام 1923م، وساهم في وضع اللبنات الأولى للجهاز الإداري والتعليمي للدولة.
6. الرؤية المستقبلية ووفاته
لم يكن الشرايري عسكرياً فحسب، بل كان صاحب رؤية تنموية. ويُسجل له تاريخياً أنه أول من اقترح وخصص أرضاً لبناء صرح علمي في شمال الأردن، حيث كتب في مذكراته عام 1950م بضرورة بناء جامعة تسمى "جامعة اليرموك الأردنية " لتكون منارة للعرب والأردنيين، وهو ما تحقق لاحقاً.
الوفاة: انتقل إلى رحمة الله في 25 حزيران 1960م، بعد حياة كرسها لخدمة التراب الأردني والقضية العربية، مخلفاً وراءه إرثاً من الكرامة والعمل المؤسسي.
خلاصة: علي خلقي الشرايري هوت النموذج الأمثل لـ " الجندي والمؤسس "، الذي انتقل بسلاسة من ميادين القتال دفاعاً عن الأرض إلى أروقة السياسة بناءً للدولة، مع بقاء بوصلته دائماً نحو الوحدة العربية.