لم تكن سيرة الشهيد نجيب السعد العلي البطاينة مجرد محطات في حياة ضابط عسكري، بل كانت ملحمةً قوميةً انطلقت من شمال الأردن لتخطَّ فصولها على رمال الجبل الأخضر في ليبيا، مرسخةً مفهوم " العروبة العابرة للحدود " بوصفه أول شهيد أردني وعربي على التراب الليبي.
النشأة في ظلال المجد :
وُلد نجيب عام 1882م في قرية البارحة بإربد، في بيتِ والده الشيخ سعد العلي البطاينة، شيخ مشايخ بني جهمة (
هي تقسيم إداري عثماني قديم كان يُستخدم لتنظيم المناطق وجباية الضرائب، كانت تغطي مدينة إربد والقرى المحيطة بها.
لم يعد مُستخدماً حاليا في التقسيمات الإدارية المعاصرة للأردن ) والزعيم الذي كان يقصده القاصي والداني لحل الخلافات. في هذا البيت، تشرّب نجيب مبادئ الفروسية والقيم العربية، قبل أن يرحل إلى دمشق ليتلقى علومه في مدرسة عنبر ( مكتب عنبر أو مدرسة عنبر هو قصر دمشقي عريق بني في القرن التاسع عشر، صادرته السلطات العثمانية وحولته إلى أهم مدرسة ثانوية رسمية في دمشق المكتب السلطاني.
خرجت المدرسة أجيالاً من القادة والمثقفين السوريين، وكان له دور نضالي هام ضد الانتداب الفرنسي. يعتبر القصر تحفة معمارية دمشقية، وهو حالياً مقر لـ مديرية دمشق القديمة ويستضيف أنشطة ثقافية ) ، ثم يُتوج طموحه بالالتحاق بالكلية العسكرية في الأستانة ( إسطنبول ) ، حيث تخرج عام 1905م برتبة ملازم ثانٍ. لم تكن حياته الوظيفية عادية، فقد عمل قيماً للحج ومرافقاً للأمير ( امير تلحج )، وبدأ صقل وعيه القومي بانتسابه للجمعية القحطانية السرية عام 1909م، التي كانت حاضنةً للفكر التحرري.
نداء الواجب من اليمن إلى ليبيا :
لم يقف نجيب عند حدود الخدمة العسكرية التقليدية، بل قادته الأقدار للمشاركة في جبهة اليمن عام 1910م لإخماد ثورة الإمام يحيى. وحين حطَّ الرحال في ليبيا عام 1911م برفقة القادة عزيز علي المصري وعلي خلقي الشرايري، كان يدرك أن المعركة تتجاوز الدفاع عن أقاليم عثمانية؛ إنها معركة وجود للأمة ضد الغزو الإيطالي. وعندما وقعت معاهدة " أوشي " التي تخلت فيها تركيا عن ليبيا، أبى نجيب إلا أن يكمل مسيرة الجهاد، منتقلاً إلى هضبة " برقة " ليصبح فارساً من فرسان الحركة السنوسية بقيادة الشيخ أحمد الشريف.
مسيرة المعارك والبطولات :
لقد خاض الشهيد مسيرةً جهاديةً زاخرةً بالمواقف التي تعكس صلابة الإرادة، حيث بدأت فصول بطولاته في عام 1913م بمعركة " محروقة "، وهي المعركة التي قادها المجاهد محمد بن عبد الله اليوسفي من الجانب العربي ضد القائد الإيطالي " مياني "، حيث استمر الاشتباك الضاري لخمس ساعات اتسمت بالعنف، وتمكن فيها المجاهدون من تكبيد الضباط الطليان خسائر كبيرة، وهي المعركة التي وصفها المؤرخون بأنها إحدى أهم معارك الجهاد.
وفي يوم 28 شباط 1914م، خاض نجيب معركة " الشلظمية " التي استمرت أكثر من عشر ساعات، وكان نجيب قائدها وفارسها وجريحها، حيث استطاع فيها المجاهدون تكبيد العدو أكثر من 300 قتيل في فتحٍ عظيم للمقاومة الليبية، رغم وقوع 200 شهيد من صفوف الثوار. وفي اليوم التالي مباشرة، أول آذار 1914م، خاض معركة " الكردايسي " التي كانت أشد وجعاً على الجيش الإيطالي، حيث اعتمد نجيب أسلوب القتال النظامي " الكر والفر " والمباغتة، فتمكن من قتل أكثر من سبعة ضباط طليان برتب متقدمة، وتدمير أسلحة وذخائر وسيارات تموين. وفي هذه المعركة، أظهر نجيب صلابة أسطورية، إذ أخرج الرصاصة التي أصابته في ساقه بيده ورفض التراجع، حتى توج مسيرته بالشهادة في معركة " مسوس " يوم 4 آذار 1914م، بعد قتال ضارٍ نال فيه الشهادة في ساحة البطولة.
ذاكرةٌ حيةٌ ووفاءٌ لا ينضب :
لقد أحبّ الشعب الليبي نجيب البطاينة، وأصبح اسمه " نجيب الحوراني " رمزاً للنضال. وقد بكاه الشيخ أحمد الشريف السنوسي بكاءً مراً، وذكره القادة كأشجع الشجعان. تجسد الوفاء في تسمية شوارع ليبية باسمه، وفي تلك الرحلة التاريخية التي قام بها شقيقه المرحوم الدكتور عارف البطاينة لزيارة ضريحه بدعوة من الرئيس السابق لليبيا معمر القذافي، وفي زيارة زوجته النرحومة السيدة فايزة السنوسي ( التي كانت قد تزوجت لاحقاً في الأردن ) لضريحه عام 1965م، في قصة إنسانية تربط الأردن بليبيا برباط الدم والمصير.
إرثُ عائلةٍ لا يهدأ :
إن قصة نجيب البطاينة ليست حدثاً منقطعاً، بل هي حلقة في سلسلة نضال عائلة البطاينة العريقة، التي امتدت لتشمل تضحيات حفيده الشهيد راتب البطاينة في معركة الكرامة، حيث هجم بدبابته على العدو الصهيوني حتى نال الشهادة. إنها قصةُ أحرارٍ نذروا أنفسهم لأرضهم، فكان الجد شهيداً في مسوس بليبيا، وكان الحفيد شهيداً على ثرى فلسطين، ليظل التاريخ شاهداً على أن هذا البيت الأردني قد صاغ البيان التحريضي لنهضة الأمة بالدم والفعل، لا بالقول وحده.