يُعد استخدام مصطلح "الشر" في الخطاب السياسي المعاصر، وتحديداً لدى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، أداة بلاغية واستراتيجية تتجاوز مجرد الوصف الأخلاقي. تشير تحليلات المراكز الدراسية الدولية (مثل Middle East Institute وChatham House وInternational Crisis Group) إلى أن لكل منهما فلسفة خاصة في توظيف هذا المفهوم.
1. بنيامين نتنياهو: "الشر" كوجودية وتاريخ
بالنسبة لنتنياهو، مفهوم الشر ليس مجرد مصطلح سياسي، بل هو جزء من رؤية كونية ثنائية (Good vs. Evil) متجذرة في التاريخ اليهودي والمنظور الأمني.
• محور الشر (The Axis of Evil): يركز نتنياهو في خطاباته (خاصة في عامي 2025 و2026) على تصوير إيران وأذرعها (حماس، حزب الله، الحوثيين) كـ "محور شر" متكامل. يرى المراقبون أن هذا التوظيف يهدف إلى عولمة الصراع؛ أي إقناع الغرب بأن معركة إسرائيل ليست محلية، بل هي خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية ضد "البربرية".
• الشر كتهديد وجودي: الشر عند نتنياهو "مطلق" ولا يمكن التفاوض معه. التحليلات تشير إلى أن هذا الخطاب يمنحه شرعية أخلاقية لاستخدام القوة العسكرية المفرطة، حيث يصبح القضاء على "الشر" واجباً أخلاقياً يسبق أي اعتبارات قانونية أو دولية.
• الهدف السياسي: يرى معهد "تشاتام هاوس" أن استخدام هذا المصطلح يساعد نتنياهو في حشد الشارع الإسرائيلي وتجاوز الانقسامات الداخلية عبر خلق "عدو شيطاني" يوحد الجميع خلف القيادة.
2. دونالد ترامب: "الشر" كأداة شعبوية وهويّة
يختلف مفهوم الشر لدى ترامب عنه لدى نتنياهو؛ فهو أكثر مرونة وشخصنة، ويرتبط بمفهوم "أمريكا أولاً".
• الشر الداخلي والشر الخارجي: ترامب لا يحصر الشر في أعداء الدولة الخارجيين فقط. تشير الدراسات الأكاديمية إلى أنه أول رئيس أمريكي يستخدم مصطلح "الشر" لوصف خصومه السياسيين في الداخل (الديمقراطيين، الإعلام، "الدولة العميقة"). الشر هنا يعني "كل ما يعيق عظمة أمريكا".
• المنظور النفعي: بينما يرى نتنياهو الشر كعقيدة ثابتة، يراه ترامب غالباً كـ تحدٍّ للقوة. الأعداء "أشرار" لأنهم يستغلون أمريكا أو يهددون مصالحها الاقتصادية. ومع ذلك، يمكن لترامب "تحييد" هذا الشر من خلال الصفقات، مما يجعل مفهوم الشر عنده أقل وجودية وأكثر براغماتية.
• الصبغة الدينية (القومية المسيحية): تلاحظ مراكز دراسات مثل CounterPunch أن خطاب ترامب الأخير (2026) بدأ يتبنى نبرة "الحروب المقدسة"، حيث يصور صراعاته كمعركة دينية لحماية القيم التقليدية ضد "اليسار الراديكالي" أو "الإرهاب"، مما يجذب القاعدة الانتخابية الإنجيلية.
مقارنة بين الرؤيتين (حسب مراكز الأبحاث)
مصدر الشر: بنيامين نتنياهو أيديولوجي خارجي (إيران وأذرعها)
مصدر الشر: دونالد ترامب نفعي داخلي وخارجي (الخصوم والمعيقون)
طريقة المواجهة: بنيامين نتنياهو الاستئصال العسكري التام
طريقة المواجهة: دونالد ترامب القوة المتبوعة بـ "الصفقة" أو العزل
الهدف: بنيامين نتنياهو توحيد الهوية "الحضارية" ضد "البربرية"
الهدف: دونالد ترامب تعزيز "الشعبوية" وفصل الأنصار عن الأعداء
المرجعية: بنيامين نتنياهو تاريخية، أمنية، ووجودية
المرجعية: دونالد ترامب شخصية، قومية، واقتصادية
القراءة المشتركة: "تسييس الأخلاق"
تتفق المراكز الدراسية المحايدة على أن الشخصيتين تستخدمان "الشر" لـ إلغاء المنطقة الرمادية في السياسة.
1. نزع الصبغة السياسية: عندما يُوصف الخصم بأنه "شرير"، يتوقف النقاش حول "المطالب السياسية" أو "المظالم"، ويتحول التركيز إلى "الضرورة الأخلاقية للقضاء عليه".
2. الهروب من المحاسبة: يساهم هذا الخطاب في تبرير السياسات المثيرة للجدل؛ ففي مواجهة "الشر المطلق"، تُصبح الوسائل الاستثنائية مقبولة شعبياً.
بناءً على ذلك، ترى هذه الدراسات أن تكرار المفهوم يعكس تحولاً في الخطاب السياسي العالمي نحو "الاستقطاب الأخلاقي"، حيث تُستبدل الدبلوماسية والمصالح بلغة "الخير والشر" المطلقة.