بقلم : المحامية ياسمين أبو هدبة ( مختصة في قضايا أمن الدولة.
في قلب المؤسسات الإصلاحية ، تولد أحياناً تجارب تستحق أن نتوقف عندها طويلاً ، ليس فقط من باب الرصد ، بل من باب التقدير والدعم . ومن واقع زيارتي الميدانية الأخيرة إلى مركز علاج الإدمان في سجن بيرين ، وجدت نفسي أمام تجربة استثنائية تتجاوز الصورة النمطية السائدة عن مراكز التوقيف والعلاج . لم يكن المكان مجرد مقر تقليدي لاستقبال الحالات المعتادة ، بل هو منظومة متكاملة تعمل بدقة متناهية ، ووعي عميق ، ومسؤولية وطنية وإنسانية عالية .
بحكم تخصصي كمحامية في قضايا أمن الدولة ، أجد نفسي يومياً في مواجهة مباشرة مع النتائج الكارثية لآفة الإدمان ، ولكن بعد أن تكون قد تحولت بالفعل إلى ملفات قضائية ، وأحكام سالبة للحرية . غير أنني في هذا المركز ، رأيت الوجه الآخر للقصة ، رأيت كيف يتم إنقاذ الإنسان وإعادته إلى جادة الصواب قبل أن يغرق تماماً في مستنقع الجريمة والضياع .
الاحترافية والإنسانية : معادلة النجاح :
إن ما يثير الإعجاب حقاً في مركز " بيرين " هو ذلك المزيج المتوازن بين الأسلوب الإنساني الراقي في التعامل ، والاحترافية الطبية والنفسية العالية في العلاج . هذه العوامل مجتمعة تعكس فهماً حقيقياً وعميقاً من القائمين على المركز لخطورة هذا الملف وحساسيته .
ما يقدمه هذا الصرح لا يمكن اختزاله في كلمة " علاج " بالمعنى الطبي الضيق ، بل هو في جوهره خط دفاع أول وحماية حقيقية للأمن المجتمعي . إنه يمثل البداية الجديدة والفرصة الثانية لكثير من الأشخاص الذين كانوا على شفا حفرة من فقدان كل شيء : مستقبلهم ، عائلاتهم ، وحياتهم .
من التعافي إلى التمكين : إعادة الدمج المجتمعي :
ولا تتوقف جهود المركز عند حدود تخليص الجسد من السموم ، بل تمتد لتأهيل الروح والعقل وتجهيز الفرد للعودة كعنصر فاعل في مجتمعه . حيث يشهد المركز إقامة سلسلة من الدورات التدريبية وورش العمل المتخصصة في مجالات إدارة المشاريع الصغيرة والمهن الحرفية .
هذه الخطوة تحديداً تهدف إلى :
1 ) تزويد المتعافين بالمهارات اللازمة والجاهزية للانخراط المباشر في سوق العمل .
2 ) تعزيز الثقة بالنفس واحترام الذات خلال مرحلة التعافي الحساسة .
في الختام ، لا يسعني إلا أن أتوجه بكل التقدير والاحترام لمدير مركز علاج الإدمان في سجن " بيرين " ، ولكل الكوادر العاملة هناك من أطباء ، أخصائيين ، ورجال أمن . هؤلاء هم جنود الظل الذين يعملون بصمت وصبر ليصنعوا فارقاً حقيقياً في حياة البشر ويحافظوا على أمن هذا الوطن .