تُشير تقارير مراكز الدراسات الدولية (مثل Brookings وTRENDS Advisory) والبيانات الرسمية من حلف الناتو حتى الربع الأول من عام 2026، إلى وجود انقسام استراتيجي واضح وتفاوت في المواقف بين ضفتي الأطلسي تجاه العمليات العسكرية ضد إيران. يمكن تلخيص الموقف الراهن في النقاط التحليلية التالية:
1. الانقسام السياسي: "حرب ليست حربنا"
تتبنى القوى الأوروبية الكبرى (ألمانيا، فرنسا، وبريطانيا) سياسة "النأي بالنفس" أو "الاستقلال السياسي" عن التوجه الأمريكي. بينما تعتبر واشنطن وتل أبيب الهجمات إجراءً استباقياً ضد التهديدات النووية والباليستية، فإن الحلفاء الأوروبيين:
•أعربوا عن قلقهم البالغ من الانزلاق إلى صراع إقليمي شامل غير محسوم النتائج.
•أكدوا في بيانات مشتركة (خاصة ترويكا E3) على ضرورة العودة إلى المسار الدبلوماسي، مع التشديد على معارضة "تغيير الأنظمة من الجو".
2. الموقف العملياتي والقواعد العسكرية
وفقاً لتحليلات المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، يظهر تباين في جاهزية واستجابة الدول الأعضاء لاستخدام قواعدها:
•بريطانيا: أبدت مرونة أكبر، حيث سمحت باستخدام قواعدها (مثل دييغو غارسيا وقواعد في قبرص) لأغراض "دفاعية محدودة"، مثل اعتراض الصواريخ الإيرانية.
•إسبانيا وفرنسا: رفضت إسبانيا بشكل قاطع استخدام قواعدها في الهجمات، بينما تمسكت فرنسا بسيادتها على قواعدها العسكرية لمنع الانجرار للصراع.
•إيطاليا: اشترطت موافقة البرلمان، مما يعكس تعقيدات قانونية وسياسية داخلية.
3. عقيدة "الدفاع الجماعي" وحماية تركيا
رغم التحفظ السياسي، يلتزم الحلف بمهامه الدفاعية التقليدية:
•حماية الأعضاء: أعلن مجلس شمال الأطلسي في مارس 2026 تضامنه الكامل مع تركيا بعد استهدافها بصواريخ باليستية إيرانية، وقام الحلف بتفعيل منظومات الدفاع الجوي لاعتراض التهديدات.
•أمن الملاحة: أبدت نحو 20 دولة عضو في الناتو (بالإضافة إلى حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية) استعدادها للمساهمة في تأمين "المرور الآمن" عبر مضيق هرمز لضمان تدفق الطاقة العالمي.
4. التداعيات الاستراتيجية على مستقبل الحلف
تؤكد دراسات دقيقة (مثل UK in a Changing Europe) أن هذه الأزمة تسرع من توجه يسمى بـ "أوربة الناتو" (Europeanisation of NATO)، حيث:
•يسعى الأوروبيون لبناء هيكل أمني لا يعتمد كلياً على التصميم الأمريكي.
•يوجد تخوف من أن تؤدي الحرب إلى استنزاف القوات الأمريكية في نزاع طويل الأمد، مما يضعف الجبهة الشرقية للحلف تجاه روسيا.
5. الموقف من "الشرعية الدولية"
بينما تبرر واشنطن تحركاتها بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (الدفاع عن النفس)، ترى مراكز دراسات أوروبية أن العمليات العسكرية قد تفتقر لغطاء شرعي دولي شامل، مما يجعل المشاركة الجماعية للحلف تحت راية "الناتو" كمؤسسة أمراً مستبعداً، والاكتفاء بدلاً من ذلك بـ "تحالف الراغبين" أو الدعم اللوجستي المحدود.
خلاصة:
موقف الناتو اليوم هو مزيج من التضامن الدفاعي مع الأعضاء المتضررين (مثل تركيا)، والانسحاب السياسي من التوجهات الهجومية الأمريكية، مع التركيز الأوروبي على حماية مسارات الطاقة ومنع انهيار الاستقرار الإقليمي.