تشرق شمس التاريخ على مكة المكرمة ، تلك البلدة التي تحيط بها الجبال وتنبض فيها الحياة على وقع خطى القوافل السائرة . في هذا المجتمع المكي الأصيل ، لم تكن التجارة مجرد وسيلة للعيش ، بل كانت شريان الحياة وثقافة أمة ، ومن بين ثنايا هذه الدروب التجارية ، نسج القدر خيوط حكاية عظيمة لخير البشر محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يتنزل عليه الوحي ، حكاية تفيض بالبركات والدلائل التي مهدت لرسالته الخالدة على أرض مباركة .
في مقالي هذا ابحر في عباب التاريخ ، استحضر تفاصيل رحلتين تجاريتين قام بهما الرسول الأكرم إلى ربوع بلاد الشام ، حاملتين في طياتهما أسراراً وإشارات غيرت مجرى التاريخ البشري ، وخلدت للأردن مكانة روحية وعاصمة تجارية عظيمة منذ فجر التاريخ .
أ ) رحلة الطفولة المباركة وبشارة الراهب بحيرى :
في تلك الأيام الخوالي ، شد أعمام النبي رحالهم نحو الشمال ، وكان من بينهم عمه الشفيق أبو طالب . في هذه الأجواء ، تطلع الغلام اليتيم محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك اثنا عشر عاماً ، لمرافقة عمه في هذه السفرة الشاقة . رق قلب عمه لتوسله ، فضمه إلى ركب القافلة المتجهة نحو آفاق الشام الرحبة ، تلك الديار التي كان جمال طبيعتها وخصوبة أرضها يضرب به المثل حتى بين كبار قريش ، حتى روي عن أبي جهل ذكره لجنان الأردن تعبيراً عن سحر هذه الأرض وعطائها .
تحركت القافلة العربية تمخر عباب الصحراء ، تمضي في طريقها المرسوم حتى دخلت عمق البادية الأردنية في محافظة المفرق بالقرب من منطقة الصفاوي . وهناك ، في وسط تلك المفازة القاحلة ، وقفت شجرة عظيمة شامخة لتكون شاهداً على أعظم حدث تاريخي . إنها شجرة البقيعاوية ، وتُعرف اليوم أيضاً بشجرة الحياة أو الشجرة المباركة ، وهي شجرة من نوع البطم المعمر يقدر عمرها بأكثر من ألف وخمسمائة عام ، وتقف وحيدة كمعجزة ربانية في تلك الصحراء .
في ظلال هذه الشجرة المباركة ، نزل الغلام الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم ليستريح من عناء السفر برفقة عمه أبي طالب ، وذلك قبيل مواصلة المسير نحو الشمال للقاء الراهب بحيرى في بلدة بصرى الشام ( تقع في جنوب سوريا ، تابعة إداريا لمحافظة درعا وجغرافيا جزء من محافظة درعا في منطقة حوران ) . وقد نال هذا الموقع التاريخي الفريد حظه من الرعاية والاهتمام في عصرنا الحالي ، حيث عُد من التراث الثقافي غير المادي في الأردن ، وقام الديوان الملكي الهاشمي بإنشاء مركز للزوار بجوارها تخليداً لذكراها العطرة .
وعندما واصلت القافلة سيرها حتى بلدة بصرى ، مرت بمنزل يتعبد فيه راهب ذو علم واسع بالكتاب يدعى بحيرى . فلما أبصر الراهب القافلة قادمة ، استوقفه أمر ما ، فخرج إليها مدفوعاً بفضول غريب ، وأخذ يدقق النظر طويلاً في وجه الغلام الهاشمي . أحس الراهب أن في هذا الوجه سراً يفوق المألوف ، فالتفت إلى أبي طالب وسأله باهتمام : ما قرابة هذا الغلام منك ؟
أجابه أبو طالب بدافع المحبة الأبوية الجارفة : هو ابني .
لكن فراسة الراهب المستمدة من الكتب القديمة كانت له بالمرصاد ، فقال له بحيرى بيقين : ما هو بابنك ، وما ينبغي أن يكون هذا الغلام أبوه حياً !
هنا تراجع أبو طالب عن قوله وقال : هو ابن أخي . فسأله بحيرى بلهفة : فما فعل أبوه ؟ فأجابه : مات وأمه حبلى به .
عندها تهلل وجه الراهب وقال : صدقت ! فارجع به إلى بلده واحذر عليه اليهود ! فوالله لئن رأوه هنا ليوقعون به شراً ، فإنه سيكون لابن أخيك هذا شأن عظيم .
أمام هذا التحذير المليء بالخوف على حياة الصبي المبارك ، لم يتردد أبو طالب لحظة واحدة ، فأسرع بالعودة فوراً إلى مكة المكرمة وفي صحبته ابن أخيه الغالي رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ، حاملاً في قلبه دهشة لا تنطفئ .
ب ) رحلة الشباب الأمين في العاصمة التجارية للعرب :
مرت السنون ، واشتد عود الصادق الأمين ، وفي تلك الحقبة ، كانت الخرائط التوضيحية لطرق ومواقع التجارة العربية قبل الإسلام ترسم صورة مذهلة لمدى براعة العرب في التجارة . لقد أثبتت الآثار والخطوط البرية والبحرية أن العرب كانوا تجاراً ماهرين جداً ، يتاجرون مع ممالك ودول شتى كالهند والسند ، والعراق ، وفارس ، ومصر ، والروم ، والحبشة .
ولأن الأراضي الخصبة وموارد المياه كانت شحيحة في معظم شبه الجزيرة العربية ومقتصرة على أطرافها كاليمن وعمان ، فقد برع العرب في تجارة السلع الثمينة غير الزراعية ، واشتهروا بنقل البخور والحرير والأحجار الكريمة . وقد دلت خطوط التجارة البرية والبحرية القديمة ، ومواقع العثور على المباخر المزخرفة والمحفورة ، على أن نقاط التجارة الأبعد للعرب قد حددت تمركزهم بعيداً عن الاستيطان الدائم في مناطق كبلاد الشام المسماة بسوريا الطبيعية او التاريخية .
وهنا تبرز الأهمية التاريخية للأردن ، الذي كان يمثل بموقعه الجغرافي العاصمة التجارية الفعلية والمركز الإقليمي الأهم لحركة قوافل العرب التجارية قبل الإسلام ، فهو الرابط الحيوي الذي يربط شبه جزيرة العرب بمصر وسيناء وجزء من سوريا .
في هذه الأجواء المفعمة بالتجارة الذكية ، كانت السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد ، من بني أسد بن عبد العزى بن قصي ، سيدة ذات مال وجاه ، تدير تجارة واسعة وتستعين برجال تثق بهم ليديروا لها أموالها في الأسفار . فلما بلغ مسامعها ما يتمتع به محمد صلى الله عليه وسلم من عظيم الأمانة ، وصدق الحديث ، ومكارم الأخلاق ، حتى إنه اشتهر بين قومه بلقب الصادق الأمين ، بعثت إليه عارضة عليه أن يسافر بمال لها في تجارة إلى بلاد الشام ، على أن تمنحه من الأرباح أكثر من غيره .
قبل الرسول الكريم هذا العرض بسماحة نفسه ، وانطلق في رحلته الثانية نحو الشام ، وكان برفقته غلامها ومملوكها المخلص ميسرة ، وبرفقة عمه أبي طالب أيضاً في بعض مراحلها .
وقد سلكت القافلة مسارها المعتاد لتمر بمحطات تاريخية مذهلة على أرض الأردن ، ومنها ام الرصاص ( ميفعة ) والتي تقع اليوم ضمن لواء الجيزة في محافظة العاصمة ، وبارتباط وثيق مع تاريخ مادبا العريق . نعم إنها منطقة أم الرصاص الأثرية ، التي كانت تُعرف في التاريخ القديم باسم كما ذكرت بميفعة .
كانت ميفعة في ذلك الزمان مدينة بيزنطية عامرة بالحياة ، ونقطة التقاء كبرى للحضارات على ألطريق الملوكي القديم . وقد تميز سكانها في تلك الحقبة بالثراء الثقافي ، وبرعوا في هندسة المياه وفن الفسيفساء العالمي . كانت المدينة مركزاً دينياً فريداً يضم مجمعات كنسية ضخمة ، ولعل أبرز ما اشتهرت به هو الرهبان العموديون الذين كانوا ينعزلون في قمم الأبراج العالية للتعبد ، مثل ذلك البرج الناسك الشهير القائم هناك كمعلم وحيد من نوعه .
وتربط الروايات التاريخية بين هذه الأبراج الرهبانية في أم الرصاص وبين قصة الراهب بحيرى ، أو ربما راهب ناسك آخر من هؤلاء المتعبدين في صوامع البادية الأردنية . وتقول الأخبار إن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في فترة شبابه قد مر بهذه المدينة التاريخية المدهشة ، حيث تفرس فيه الراهب الذي يسكن تلك الأصقاع ، ورأى فيه علامات النبوة ودلائل الرسالة الموعودة .
ولم تكن تلك العجائب غريبة على ميسرة الذي كان يرقب النبي بإعجاب طوال الطريق ، حيث كان يشاهد منظراً يأخذ بالألباب ، إذ كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم مظللاً من حر الشمس اللاهب وهو يسير على بعير ، دون أن يكون معه أي شيء مادي يستظل به ، وكأن السحاب يحنو عليه .
أمام هذه المعجزات والبركات ، باع الصادق الأمين واشترى بذكاء وأمانة منقطعة النظير ، ليعود بعد ذلك بربح عظيم لم تعهده قريش من قبل . عاد الركب وربحت التجارة أرباحاً مضاعفة فائقة لكل التوقعات ، وعندما اقتربت القافلة من أسوار مكة ، أسرع الغلام الوفي ميسرة إلى منزل سيدته خديجة كي يبشرها بنجاح التجارة الباهر ، وحدثها بفيض من الإعجاب عما رآه وسمعه من قول الراهب ، وعما لمسه بنفسه من عظيم أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم وشمائله النبيلة .
إن هذه الرحلات لم تكن مجرد أسفار عابرة في طلب الرزق ، بل كانت إرهاصات نبوية ومقدمات لرسالة سماوية كبرى . لقد أثبتت الأيام أن الصدق والأمانة هما رأس مال الإنسان الحقيقي ، وأن الله تعالى يهيئ أنبياءه لمهامهم العظام منذ نعومة أظفارهم ، فسلام على النبي الأمين في كل وقت وحين .