تمرّ الذكرى السنوية لرحيل الرجال العظماء، فتتوقف الكلمات قليلًا، وتخفت الضوضاء احترامًا، وكأن الذاكرة تستدعي ملامح من غابوا بأجسادهم وبقوا بأثرهم. وفي مثل هذا اليوم، نستحضر سيرة معالي عيد زعل الكنيعان الفايز (أبو سداد)، ذاك الرجل الذي لم يكن مجرد اسم في سجلّ المسؤولية، بل كان مدرسةً قائمة بذاتها في الأخلاق، والانتماء، والوفاء.
لم يكن "أبو سداد" عابرًا في حياة الناس، بل كان حاضرًا في تفاصيلهم، قريبًا من همومهم، متواضعًا في حضوره، عظيمًا في أثره. حمل أمانة المسؤولية بصدق، فكان مثالًا للرجل الذي يرى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وفي خدمة الناس واجبًا لا خيارًا. لذلك، أحبّه من عرفه، واحترمه من سمع عنه، لأن الصدق كان عنوانه، والعدل نهجه، والإنسانية طريقه.
لقد جسّد "أبو سداد" معاني الرجولة الأصيلة التي لا تُصنع، بل تُولد مع أصحابها. كان صوته هادئًا، لكن كلمته مسموعة، وكان حضوره بسيطًا، لكن أثره عميق. لم تفصله المناصب عن الناس، بل زادته قربًا منهم، فكان بابُه مفتوحًا، وقلبه أوسع من الأبواب.
وإن غاب الجسد، فإن السيرة لا تموت. بقي إرثه حيًّا في القلوب، تتناقله الألسن بكل تقدير، وتستحضره المجالس بكل وفاء. ترك خلفه أثرًا لا يُمحى، واسمًا يُذكر بكل خير، وسيرةً تُروى للأجيال القادمة، ليعلموا أن الرجال لا يُقاسون بعدد ما يملكون، بل بما يتركون من أثرٍ طيب.
وفي الذكرى السنوية لرحيله، لا نملك إلا أن نقف احترامًا لروحه الطاهرة، ونرفع أكفّ الدعاء، سائلين الله أن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يرحمه رحمةً واسعة، ويُسكنه فسيح جناته، وأن يُلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
رحمك الله يا أبا سداد… ستبقى قامةً لا تغيب، وإن غاب صاحبها، وسيبقى ذكرك حيًّا ما دام في هذه الأرض من يذكر الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.