في مثل هذا اليوم ، العاشر من نيسان ، يستعيد التاريخ واحدة من أكثر قصصه إثارةً وعبرة ، ففي هذا التاريخ من عام 1912 م ، كان العالم على موعد مع انطلاق " المارد " ، السفينة الأسطورية " تيتانيك " ، في رحلتها الأولى والوحيدة عبر المحيط الأطلسي . لم تكن مجرد سفينة ، بل كانت تجسيداً لغطرسة عصرٍ ظن فيه الإنسان أن ذكاءه الهندسي قد بلغ حداً يتحدى به قوانين الطبيعة ، وربما - في غفلة من الغرور - تحدى به عظمة الخالق سبحانه .
الأسطورة التي لا تغرق : تحدي القدر :
لقد رُوّج لـتيتانيك بصفتها الإعجاز الذي لا يقهر ، حتى ذهب بعض مصمميها ومروجيها في ذلك الوقت إلى القول بملء أفواههم : " إن هذه السفينة لا يمكن أن تغرق " . كانت تلك العبارة بمثابة إعلان صريح عن كبرياء بشريٍّ نسي أن اليد التي صنعت ، والعقل الذي خطط ، هما من صنع الله ، وأن إرادة الله فوق كل اعتبار . لقد حشدوا فيها كل أسباب القوة والمنعة ، ظانين أن القاع المزدوج والمقصورات الست عشرة المعزولة ستحميها من غضبة البحر ، لكن الدرس كان قاسياً بقدر حجم الغرور .
المارد في ثلاث صور : الضخامة ، الفخامة ، والمنعة :
تفرّدت تيتانيك بصفاتٍ جعلت منها حديث الأندية والصحف العالمية آنذاك ، ويمكن حصر تميزها في ثلاث ركائز أساسية :
1 ) الضخامة المذهلة : لم يكن اسم تيتانيك ( المارد ) مبالغاً فيه ، فقد كانت بمثابة مدينة عائمة ، يعادل ارتفاعها ارتفاع مبنى من أحد عشر طابقاً ، ويمتد طولها ليغطي مساحة أربع مجموعات من الأبنية الضخمة .
2 ) الفخامة الأسطورية : صُممت السفينة لتكون ملاذاً لصفوة المجتمع ، ووصل البذخ فيها إلى حد أن ثمن تذكرة الدرجة الأولى كان يفوق الدخل الكلي لأي فرد من طاقمها طوال حياته ، حيث تزينت قاعاتها بأرقى الفنون المعمارية .
وهم " عدم القابلية للغرق " : اعتمد المهندسون على نظام هندسي فريد يتكون من 16 مقصورة مضادة للماء ، معتقدين أن السفينة ستظل طافية حتى لو غمر الماء بعض أجزائها ، وهو الظن الذي تحطم لاحقاً على صخرة الواقع المرير .
3 ) مجتمع الأثرياء على متن الرحلة الأخيرة :
اجتمع على ظهر هذه السفينة نخبةٌ انتقاهم القدر من بين أثرى أثرياء الأرض . كان هناك " الكولونيل جون جاكوب استور " ، حفيد إمبراطورية الفراء ومالك الفنادق العالمية ، الذي كان في رحلة عودة مع زوجته " مادلين " . كما ضمت الرحلة " بنجامين جاجنهيم " سليل عائلة المعادن الأمريكية ، و" ازيدور ستروس " صاحب أكبر مجمع تجاري في العالم ، إلى جانب أسماء لامعة من النبلاء والمصممين والوجهاء . هؤلاء الذين ملكوا كل شيء في الدنيا ، وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام حقيقة واحدة : أن المال والجاه لا يغنيان من قدر الله شيئاً .
الدرس الخالد :
انطلقت تيتانيك من ميناء ساوثهامبتون وسط عزف الموسيقى وهتاف الآلاف ، في مشهدٍ مليء بالسعادة والكبرياء . لكن تلك الموسيقى المرحة سرعان ما تلاشت في سكون المحيط المظلم ، لتتحول الأسطورة إلى حطام في قاع البحر . لقد أراد الإنسان أن يثبت عظمته بصنع سفينة لا تقهر ، فأراه الخالق ضعف صنعه أمام " جبل جليدي " بسيط .
يبقى العاشر من نيسان ذكرى سنوية تذكرنا بأننا مهما بلغنا من العلم والتقنية ، نلحق دائماً بركب العجز أمام إرادة الله ، وأن كبرياء البشر مهما تعاظم ، يظل هباءً أمام عظمة الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء .