سجلت بورصة فلسطين أداء قويا خلال عام 2025 مقارنة مع 2024، في مشهد يعكس مفارقة لافتة بين الاقتصاد الحقيقي والسوق المالية، وسط ارتفاع مؤشر القدس الذي يقيس أداء أنشط 16 شركة مدرجة بنحو 24%، في واحدة من أقوى موجات التعافي منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
هذا الأداء جاء مدفوعا بانتعاش واضح في السيولة، إذ قفزت قيمة التداولات إلى نحو 383 مليون دولار خلال العام الماضي، مقارنة بــ 164 مليون دولار في 2024، في إشارة إلى عودة النشاط الاستثماري وتحسن شهية المخاطرة، رغم بيئة اقتصادية وسياسية معقدة.
كذلك، ارتفعت القيمة السوقية للبورصة بأكثر من 862 مليون دولار لتصل إلى نحو 4.9 مليار دولار بنهاية العام الماضي، ما يعكس نموا بنسبة 21%، ويضع السوق مجددا بالقرب من مستويات ما قبل الحرب البالغة نحو 5.05 مليار دولار.
وتضم بورصة فلسطين حتى نهاية العام الماضي 48 شركة مدرجة موزعة على خمس قطاعات رئيسية، هي: قطاع الاستثمار الذي نما في 2025 بنسبة 38%، وقطاع الخدمات الذي صعد بنسبة 22%، والصناعة الذي صعد بنسبة 11%، وقطاعي البنوك والخدمات المالية، والتأمين اللذين كانا الأقل نموا في 2025.
في المقابل، أظهر مسح للأسهم المدرجة أن 15 شركة من أصل 48 سجلت تراجعات خلال العام الماضي في أسعار أسهمها، ما يعكس استمرار الضغوط على بعض الشركات، خاصة في قطاعات التأمين والاستثمار.
أداء قوي إقليميا
من أبرز المؤشرات على تحسن الثقة، ارتفاع حصة الاستثمار الأجنبي إلى نحو 38% من إجمالي السوق خلال العام الماضي، مقارنة بــ 34% في فترة ما قبل الحرب، في إشارة إلى عودة تدريجية لرؤوس الأموال، خاصة من الفلسطينيين المغتربين.
كما شهدت السوق تنفيذ 4 اكتتابات جديدة بقيمة تقارب 51.7 مليون دولار، ما يعكس استمرار قدرة السوق على جذب التمويل، حتى في ظل بيئة غير مستقرة.
وتكشف حركة مؤشرات البورصات العربية خلال عام 2025، مقارنة بإغلاقات 2024، أن بورصة فلسطين ورغم مرور أكثر من عامين على الحرب، تفوقت على عدد من الأسواق الإقليمية، من بينها أبو ظبي التي سجلت نموا بنحو 11.19%، ودبي عند 17.22%، وحتى الكويت التي بلغت مكاسبها 19.8%. هذا الأداء يضع بورصة فلسطين في منتصف ترتيب الأسواق العربية، متقدمة على معظم أسواق الخليج، وإن كانت دون الأسواق الأعلى أداء مثل مصر والأردن.
فمؤشر EGX30 المصري قفز بنحو 41.58% خلال العام الماضي، مستفيدا من إعادة تسعير الأصول، وتراجع قيمة العملة الذي عزز جاذبية الأسهم، إلى جانب عودة جزئية للسيولة المحلية والمؤسسية.
أما مؤشر سوق عمان الرئيسي سجل واحدا من أقوى الأداءات في المنطقة، مع ارتفاع وصل إلى 45%، في دلالة على تحسن ثقة المستثمرين واستقرار بيئة الأعمال، والتحسن اللافت بأحد أهم الأسهم وهو سهم البنك العربي.
دعوة للاستثمار
تظهر بيانات البنك المركزي الأردني وسلطة النقد الفلسطينية، أن 5 بنوك أردنية لديها فروع في السوق الفلسطينية، من إجمالي 13 مصرفا محليا وافدا عاملا في السوق الفلسطينية، بإجمالي موجودات تبلغ 9 مليارات دولار أميركي للبنوك الخمسة حتى نهاية الربع الثالث 2025 مقارنة مع قرابة 6 مليارات دولار قبيل الحرب..
بينما يبلغ إجمالي موجودات القطاع المصرفي الفلسطيني حتى نهاية الفترة ما يقرب من 26.3 مليار دولار، أي أن حصة البنوك الأردنية من إجمالي الموجودات 34.2% وفق بيانات سلطة النقد الفلسطينية.
بينما اقترب صافي ربح البنوك الخمسة في الشهور التسعة الأولى من العام الماضي قرابة 81 مليون دولار، من إجمالي أرباح القطاع المصرفي خلال الفترة البالغة 147 مليون دولار أميركي وفق البيانات الرسمية.
هذه الأرقام، تمثل نموذجا على عوائد الاستثمارات الأجنبية في أحد أعمدة الاقتصاد الفلسطيني، فيما تسجل قطاعات أخرى ببورصة فلسطين نسب نمو مرتفعة فاقت النمو المحقق في قطاع البنوك، كقطاع الاستثمار على سبيل المثال.
خبرة في بيئة صعبة
وفي ظل بيئة اقتصادية شديدة التعقيد، تواصل الشركات المدرجة في بورصة فلسطين لعب دور محوري يتجاوز كونها كيانات ربحية، لتصبح أحد أعمدة الصمود الاقتصادي. هذه الشركات، التي تنشط في قطاعات البنوك والخدمات والاستثمار والصناعة، أثبتت قدرة نسبية على الاستمرار رغم القيود التشغيلية وتراجع الطلب في بعض القطاعات.
ورغم الضغوط التي فرضها الواقع السياسي، نجحت العديد من هذه الشركات في الحفاظ على مستويات تشغيل مقبولة، بل وتحقيق نمو في بعض الحالات، ما يعكس مرونة نموذج الأعمال وقدرته على التكيف.
كما أن استمرار هذه الشركات في الإفصاح والالتزام بالحوكمة يعزز من ثقة المستثمرين، ويؤكد أن السوق الفلسطينية، رغم صغرها، تمتلك بنية مؤسسية قادرة على الصمود.
وفي هذا السياق، يكتسب الاستثمار في بورصة فلسطين بعدا يتجاوز العائد المالي، ليصبح أداة دعم مباشر للاقتصاد الوطني. فكل استثمار في سهم محلي يساهم في توفير السيولة للشركات، ويمكنها من الاستمرار في التشغيل، والحفاظ على الوظائف، وتنفيذ خططها التوسعية.
كما أن السوق المالي يوفر منصة لتجميع المدخرات وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية، وهو ما يعزز من الدورة الاقتصادية الداخلية. ومع ارتفاع نسبة الاستثمار المحلي، إلى جانب مشاركة متزايدة من المستثمرين الأجانب وخاصة من الفلسطينيين المغتربين، يتحول السوق إلى قناة دعم اقتصادية تعكس ثقة متجددة بالاقتصاد رغم التحديات، والأهم أنه استثمار مجد اقتصاديا كما أظهرتها بيانات البنوك الأردنية العاملة في السوق المحلية.
من جهة أخرى، تعكس كفاءة السوق الفلسطينية وبنيتها التحتية مستوى متقدما مقارنة بحجم الاقتصاد. فقد أثبتت بورصة فلسطين قدرتها على الاستمرار في العمل بكفاءة خلال فترات الأزمات، مع انتظام جلسات التداول وتطور الأنظمة الإلكترونية المستخدمة.
كما أن الإطار القانوني والتنظيمي يوفر مستويات جيدة من الشفافية وحماية المستثمرين، وهو عنصر أساسي في جذب السيولة والحفاظ عليها. هذه البنية، التي تجمع بين التكنولوجيا والتنظيم، تمنح السوق قدرة على امتصاص الصدمات والاستمرار في أداء دوره، حتى في بيئة تتسم بعدم اليقين.