ثمة رجالٌ لا يقاسُ حضورهم بضجيجِ المناصب ، بل بسكونِ المبادئ حين تضطربُ الموازين . هم الذين عبروا التاريخ كخيوطِ الفجر ، لا يطلبون ضوءاً ، بل يمنحونه . ومن بين هؤلاء الأوفياء ، يبرز اسم " المرحوم الحاج عقاب حسين طه الخصاونة " ، الفارس الذي لم تكن حياته مجرد سيرة ذاتية ، بل كانت " ملحمةً للنزاهة " كُتبت فصولها في خنادق فلسطين ، ووُثقت أركانها في ردهات الوظيفة العامة بمدادٍ من طُهرٍ وعفة . إننا اليوم لا نكتب عن رجلٍ غادرنا جسداً ، بل نستحضرُ مدرسةً في الثبات ، وقامةً أردنيةً شامخة آثرت أن تعيش بكرامة " عزلة الشرفاء " على أن تنحني في زحامِ المداهنين .
الجذور والنشأة .... طليعةُ العلم في رحابِ دمشق :
وُلد المرحوم الحاج عقاب الخصاونة في إربد الأبية عام 1924 م ، ونشأ في كنف أسرة موفورة السعة والقدر ، لكنه اختار منذ صغره طريق الكدّ والبناء الفكري . تلقى تعليمه في " مدرسة السلط الثانوية " العريقة – تلك المدرسة التي كانت تصنع رجال الدولة – ومنها شدّ الرحال إلى جامعة دمشق في زمنٍ كان فيه التعليم الجامعي حكراً على الصفوة . تخرج عام 1945 م حاملاً إجازة الحقوق ، ليكون من أوائل القانونيين الجامعيين الأردنيين في منتصف الأربعينيات ، رفقة رفاق دربه من رجالات الرعيل الأول كمعالي عبد الوهاب المجالي ومحمد نهار الرفاعي . وبينما كان المستقبل المهني المترف يفتح له أبوابه ، نادته فلسطين ، فآثر خنادق " جيش الإنقاذ " على مكاتب الحقوق المريحة .
النضال الدستوري .... حين يكون المبدأُ دستوراً :
قبل أن يحمل السلاح ، كان المرحوم الحاج عقاب الخصاونة يحملُ فكراً تنويرياً نادراً سابقاً لعصره ، ففي عام 1946 م ، كان من طليعة " الشباب الأحرار " الذين جابوا الميادين منادين بأن " الشعب مصدر السلطات " . كافح المرحوم الحاج عقاب الخصاونة مع رفاقه نضالاً دستورياً حتى أصبحت هذه القاعدة ركيزةً أساسية قام عليها الدستور الأردني ، مسجلاً بذلك سبقاً في الوعي السياسي والوطني ، ومؤكداً أن الحرية حقٌ مقدس وليست منحةً من أحد .
الميدان العسكري .... جسارةٌ تخرقُ الحصار :
مع اندلاع حرب عام 1948 م ، التحق المرحوم الحاج عقاب الخصاونة بـ " جيش الإنقاذ " ضمن " فوج اليرموك " . وعبر ثلاث سنوات ونصف من الكفاح البطولي في جبهات جنين ويعبد والحدود اللبنانية ، سطر ملاحم شهد لها القاصي والداني :
1 ) معركة الزراعة : في ليلةٍ ممطرة بجنوب طبريا عام 1948 م ، وبينما كان المقاتلون يحتمون بالخنادق تحت وابل الرصاص والوحل ، كان المرحوم الحاج عقاب الخصاونة ينهض لمواجهة العدو بصدر مكشوف ، حتى كان رفاقه ( أحمد ومحمد النجداوي ) يمسكون بطرفيه خوفاً عليه من الموت الذي كان يطلبه ليهب الوطن الحياة .
2 ) اختراق حصار حيفا : سجل التاريخ لـ المرحوم الحاج عقاب الخصاونة شجاعةً أذهلت القيادة حين خرق وحده النطاق المضروب حول حيفا ، واستولى على مصفحة معادية عاد بها إلى مركز القيادة ، مما دفع الفريق " الهاشمي " لمنحه رتبة " ملازم " ميدانياً في تموز 1949 م تقديراً لجسارته وإخلاصه .
الأمانة الأسطورية .... " البرغي " أثقلُ من الذهب :
تجلت عظمة المرحوم الحاج عقاب الخصاونة في إدارته لـ " معسكر جنين " ، ففي الوقت الذي استحل فيه البعض المغانم تحت مسمى الجهاد ، وقف المرحوم الحاج عقاب الخصاونة حارساً سادناً على مقدرات الجيش ، رافضاً بيع أي قطعة من العهدة لتجار نابلس ، وحصر كل مسمار ومصباح ليسلمه للدولة الأردنية بكامل الأمانة . استمر هذا النهج في عمل المرحوم الحاج عقاب الخصاونة بـ دائرة الجمارك ، حيث كان " نظيف اليد " أمام أعظم المغريات والرشاوى والتهديدات ، مفضلاً كفاف العيش بكرامة على ثراءٍ مشبوه ، فصار اسمه في إربد ونابلس وجنين عنواناً للطهر الوظيفي الذي لا يُشترى بمال الدنيا .
الإرث والأسرة .... غراسٌ طيبة في ميادين العطاء :
تُعدّ أسرة المرحوم الحاج عقاب حسين طه الخصاونة مثالاً يُحتذى في التماسك والتميز ، حيث امتد أثره في ميادين العلم والعمل . فقد عُرفت زوجته ، المربية الفاضلة نوزت الخصاونة ، بإخلاصها التربوي كمديرة مدرسة حملت رسالة التعليم بأمانة . وفي مسيرة الأبناء ، يبرز بشار الخصاونة في موقعه كـ ( مساعد لمدير عام الجمارك ) ، مكملاً مسيرة والده بكفاءة ، فيما لمع اسم الدكتور محمد عقاب الخصاونة في ميدان الإعلام عبر ( إذاعة إربد الكبرى ) . كما تزدان الأسرة بنخبة من الكفاءات : الدكتورة باسمة ، و ابتسام ، و الدكتورة تالا ، و الدكتورة ريم ، والمهندسة رضا الخصاونة ، ليكونوا جميعاً صورةً مشرقة للإرث الذي تركه الراحل ، عنوانه العلم والعمل وقيمه الانتماء والإنجاز .
عزلة الشرفاء والرحيل الهادئ :
حين شاع " التهريج والرياء " في مسرح السياسة ، آثر المرحوم الحاج عقاب الخصاونة الصمت والبعد عن الأضواء ، معتصماً بـ " عزلة الشرفاء " في بلدته ( النعيمة ) التي أحبها وعشق ثراها ، صابراً بمؤمنٍ على مرضٍ عُضال ألمّ به إثر حادث تدهور أثناء أداء الواجب القومي في فلسطين . وفي تاريخ 12 آب 1996 م ، ترجل الفارس عن صهوة الحياة ، ورحل المرحوم الحاج عقاب الخصاونة عفيف اللسان ، طاهر القلب ، ووري الثرى في بلدة النعيمة ، مواجهاً قدره بنفسٍ راضية ، تاركاً خلفه ذكراً عطراً لا يصدأ .
وختاماً ، إن سيرة " المرحوم الحاج عقاب الخصاونة " تظلُّ هي القلادة الأثمن التي يتقلدها الوطن ، والبوصلة التي تهتدي بها الأجيال في دروب الاستقامة . لقد ترجل الفارسُ عن صهوةِ الحياة ، لكنه لم يترجل عن عرشِ القلوب ، فمن أورث أبناءه " سلاح الموقف " و " حصن الأمانة " لم يمت ، بل نبتَ مجداً في كل حرفٍ وكل كلمة . طبتَ حياً وميتاً يا أبا بشار ، ونم قرير العين في ثرى " النعيمة " الطهور ، فقد أديتَ الأمانة ، وصنتَ الوديعة ، وتركتَ لنا خلفك حكايةً ستبقى تُروى كلما فتشنا في دفاتر الأردن عن معنى " الشرف العسكري " و " النقاء الإنساني " الذي لا يشترى بكل ذهب الأرض .