بأي كلمات يمكن أن نصف رجلاً تجاوز حدود الألقاب والمناصب، حتى أصبح اسماً عربياً وعالمياً يحمل مشروع فكر ورؤية ومستقبلاً؟
وبأي لغة يمكن أن نكتب عن قامة اقتصادية وسياسية وفكرية بحجم سعادة الدكتور طلال أبو غزالة، وهو الذي لم يكن مجرد خبير اقتصادي، بل عقل استثنائي قرأ تحولات العالم قبل أن تحدث، وحذّر من أزمات المستقبل قبل أن يلتفت إليها الآخرون؟
إنه واحد من أولئك الرجال الذين لا يكفيهم وصف، ولا تحتويهم الكلمات، لأن حضورهم أكبر من العبارات، وتأثيرهم أعمق من أن يختصر في مقال. شخصية وطنية عظيمة يجب أن تنحني لها القامات احتراماً، لأنها رفعت اسم الوطن عالياً، ومثّلته على المستوى العربي والعالمي أفضل تمثيل، وأسهمت في بناء الفكر قبل الحجر، والإنسان قبل المؤسسات.
في صالوني الثقافي بتاريخ ١٣/٥ ، لم يكن اللقاء مع الدكتور طلال أبو غزالة لقاءً عادياً، الذي أدار الجلسة بكل اقتدار الأستاذ الدكتور بلال السكارنة ، بل كان مساحة فكرية عميقة أعادت طرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل التعليم، ومصير الأجيال القادمة، والتحديات التي تواجه العالم في ظل الثورة الرقمية والتسارع التكنولوجي الهائل.
لقد تحدث بعين الخبير، وقلق المفكر، ووعي الإنسان الذي يدرك أن العالم يتغير بسرعة مذهلة بينما ما زالت أنظمتنا التعليمية تتحرك ببطء شديد. قالها بصراحة موجعة: إن التعليم الحالي لا يزال يشبه "نظام الكتاتيب”، وإن التعليم الرقمي الحقيقي لا يتجاوز عشرين بالمئة، في وقت أصبحت فيه المعرفة تتضاعف كل ساعات قليلة، وأصبحت التكنولوجيا تعيد تشكيل العالم بأكمله.
كانت كلماته صادمة، وقد يراها البعض في عالم الخيال ، وصعبة التطبيق لكنها حقيقية. تحدث عن مستقبل قد تُغلق فيه المدارس والجامعات مستقبلا ، ويحل محلها التعليم الذاتي عن طريق التكنولوجيا ، ولا داعي للتدريس التقليدي لأن المعلومات كافة متوفرة على الانترنت ومحدثة ، إذا بقيت أسيرة الأساليب التقليدية، لأن العالم لم يعد ينتظر أحداً. وأشار إلى أن من يقود التحول الرقمي اليوم هم الأطفال أنفسهم، بينما بعض المسؤولين عن التعليم ما زالوا يقاومون التغيير، غير مدركين أن المستقبل يُكتب الآن، لا بعد سنوات.
لقد وضع الدكتور طلال أبو غزالة الحضور أمام حقيقة مؤلمة؛ وهي أن التعليم لم يعد مجرد مناهج وامتحانات وشهادات، بل أصبح قضية وجود وبقاء للأمم. فالدول التي لا تدخل العصر الرقمي الحقيقي ستجد نفسها خارج المنافسة، وخارج التأثير، وربما خارج التاريخ أيضاً.
يا له من مشهد مؤلم حين يتحدث مفكر بحجم طلال أبو غزالة عن واقعنا التعليمي بكل هذا الحزن والصدق. ويا له من إحساس قاسٍ حين ندرك أن الرجل يرى المستقبل بوضوح بينما ما زال كثيرون ينظرون إلى التعليم بعقلية الماضي. لقد أسعدنا بأفكاره، وأبهرنا بتحليلاته، وأبكانا على حال واقعنا العربي الذي ما زال متأخراً عن ركب المعرفة العالمية.
كان حضوره في الصالون لافتاً ومميزاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. سويعات من الحوار والفكر والثقافة، لكنها كانت كافية لتترك أثراً عميقاً في النفوس والعقول. تحدث بثقافة واسعة، ورؤية ثاقبة، وإيمان حقيقي بأن الإنسان العربي قادر على النهوض إذا امتلك أدوات المعرفة الحديثة.
وحين ننظر إلى مسيرة الدكتور طلال أبو غزالة، ندرك أننا أمام شخصية لم تصنع مجدها الشخصي فقط، بل ساهمت في رفع اسم الأردن والوطن العربي عالمياً، وقدمت نموذجاً للعقل العربي القادر على الإبداع والتأثير والنجاح في أصعب الظروف. هؤلاء هم الرجال الذين تبنى بهم الأوطان، وهؤلاء هم الذين يستحقون الشكر والتقدير والاحترام.
شكراً لسعادة الدكتور طلال أبو غزالة على هذا الحضور الراقي، وعلى هذا الفكر العميق، وعلى هذه الرسائل الوطنية الصادقة التي حملها إلى صالون الدكتورة سهام الخفش الثقافي. وشكراً لكل القامات الوطنية التي ما زالت تؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن تقدمه الأوطان لأبنائها، والشكر موصول لأعضاء صالوني الثقافي والى رئيس الجلسة الأستاذ الدكتور بلال السكارنة والمصور المبدع ابراهيم النحاس