في عصر الإعلام الرقمي، لم تعد الحقيقة تُنقل كاملة كما قيلت، بل كثيرًا ما تُقتطع منها كلمات وجمل بهدف إثارة الرأي العام وصناعة الجدل. فبعض التصريحات التي تصدر عن مسؤولين أو مؤثرين تتحول خلال دقائق إلى عناوين مثيرة، رغم أن معناها الحقيقي يكون مختلفًا تمامًا عند سماع الحديث كاملًا.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أن الكلمة عندما تُنتزع من سياقها تفقد دلالتها الحقيقية، وقد تتحول الفكرة الإيجابية إلى إساءة أو استفزاز. وهنا يبدأ الناس بالتعليق والهجوم وإصدار الأحكام دون التحقق من النص الكامل أو فهم المقصود الحقيقي من الكلام.
المواطن البسيط غالبًا ما يتأثر بالعناوين السريعة والمقاطع المختصرة، فيندفع إلى التفاعل مع محتوى قد يكون مضللًا أو مجتزأً. وفي كثير من الأحيان يكتشف لاحقًا أن الشخص الذي هاجمه كان يطرح فكرة منطقية أو يحمل رسالة إيجابية، لكن طريقة عرض التصريح أوحت بعكس ذلك.
وقد شهدنا مؤخرًا حالات عديدة تم فيها اجتزاء تصريحات لمسؤولين ومؤثرين بهدف إثارة الحفيظة وتحقيق التفاعل والمشاهدات، لا نقل الحقيقة. فبعض الصفحات الإعلامية أصبحت تعتمد على الإثارة أكثر من اعتمادها على المهنية، مستفيدة من سرعة انتشار الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
إن أخطر ما في الأمر أن هذه الظاهرة لا تعتمد على الكذب الكامل، بل على عرض جزء من الحقيقة وإخفاء الجزء الآخر، ما يجعل التضليل أكثر تأثيرًا على المتلقي. لذلك، أصبح من الضروري أن يتحلى الناس بالوعي قبل التعليق أو إصدار الأحكام، وأن يحرصوا على مشاهدة التصريح كاملًا وفهم سياقه الحقيقي.
هذه الظاهرة لم تعد محصورة في الأردن فقط، بل أصبحت موجودة في مختلف أنحاء العالم، مدفوعة بثقافة "الترند” والسعي وراء التفاعل السريع. ويبقى الوعي والتثبت من المعلومات خط الدفاع الأول في مواجهة التلاعب بالرأي العام وتشويه الحقائق.