كان الأردن، وما يزال، سِفرًا من أسفار المجد العربي والإسلامي، وسطرًا مضيئًا في صفحات التاريخ الخالد؛ فعلى ثراه الطهور مرّت جيوش الفتح الإسلامي، ومن أرضه المباركة انطلقت حضاراتٌ وممالكُ حفرت أسماءها في ذاكرة الزمن. إنه الاردن يا ساده أرضٌ باركها الله، وأكرم أهلها بثبات الموقف، وصلابة الانتماء، والتمسك بعروبتهم وأمتهم الإسلامية رغم تعاقب المحن وتبدل الأزمنة.لم يكن تاريخ الأردن وليد اللحظة أو حديث النشأة كما يحاول البعض تصويره وتسويقه، بل تاريخٌ ضاربٌ في عمق الحضارة الإنسانية محفور في ذاكرة الشرفاء من امتنا وشعبنا الأبي. فهذا الحمى تعاقبت على أرضه الممالك والحضارات، وشهدت ربوعه أعظم المعارك التي صنعت بدايات التاريخ الإسلامي ورسخت معاني البطولة والفداء لتضيء التاريخ بمشاعل من نور وتكتب سيرته بسطور من ذهب.
وفي هذه الذكرى العطرة نستذكر مسيرة الأردن الحديث الذي عانى كسائر الدول العربية، من ظلم الانتداب الذي سعى إلى تمزيق الأرض وتفتيت الهوية، حتى غدت البلاد في تلك الحقبة موزعة بين إدارات محلية متعددة، يتنازعها النفوذ الأجنبي والمصالح الاستعمارية، التي تحيط بمقدرات الوطن وثرواته، الى ان قيّض الله لنا الهاشميين الأطهار، سلالة النبوة وورثة الرسالة، ليبدؤوا مسيرة بناء الدولة الحديثة وتوحيد الصف والكلمة. في دولة المؤسسات والقانون. كان دخول الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين رحمه الله إلى مدينة معان نقطة التحول الكبرى في تاريخ الأردن الحديث، وبداية تأسيس الدولة الأردنية تحت راية الوحدة والشرعية، أسس الملك الشهيد دولةً جمعت أبناء الوطن كافة في بوتقة واحده رغم الاختلاف في الاهواء والتوجهات والأصول والمنابت، فقد وضع اللبنات الأولى لبناء نسيجها، وأنشأ بحكمة واقتدار المؤسسات والدوائر الرسمية لتعزيز استقرارها ودمج ابناءها في مشروع وطني وحدوي، بالرغم من قلة الإمكانات وعِظم التحديات، فالانتداب كان معول هدم لا بناء، والأمة في وضع لا تحسد عليه من المؤامرات التي تُحاك وتفرق في الصف العربي، فكان الأردن السند والظهير لامته العربية وحينما دقّت ساعة المواجهة، كان الجيش العربي الأردني حاضرًا في ميادين البطولة والشرف ، مدافعًا عن فلسطين قضية العرب الأولى ، حينما خاض حرب عام 1948 وحافظ على ما تبقى من فلسطين، مرورا بحرب الكرامة الخالدة التي سطر فيها صفحات الفداء والكرامة في اعقاب نكسة العام 1967 . وتستمر مسيرة البناء والتحديث في عهد طلال بن عبد الله رحمه الله واضع الدستور ، وصولًا إلى عهد الملك الباني الحسين بن طلال رحمه الله ، الذي قاد الأردن بحكمة واقتدار وسط تحولات تاريخية جسام، فحافظ على الدولة ومؤسساتها، وصان مقدرات الوطن، وأرسى دعائم النهضة الحديثة حتى غدا الأردن نموذجًا في الثبات والاستقرار رغم العواصف التي عصفت بالمنطقة.
واليوم، تتواصل الراية الأردنية خفاقةً في عهد مولاي عبد الله الثاني بن الحسين، الذي استطاع بحكمته وبعد نظره أن يقود الوطن وسط أدق الظروف وأشد التحديات، محافظًا على أمن الأردن واستقراره، في زمنٍ تهاوت فيه دول واضطربت فيه أنظمة تحت وطأة الأزمات والاضطرابات. فكان الأردنيون، في كل موقف، يجددون العهد والولاء للعرش الهاشمي، مؤكدين التفافهم حول القيادة الهاشمية التي سكنت القلوب قبل أن تتربع على العروش.
وفي عيد الاستقلال الثمانين، يقف الأردنيون وقفة فخر واعتزاز، يستذكرون مسيرة وطنٍ كُتب تاريخه بالتضحيات، وصيغت رايته بالعزة والكرامة، رافعين أكف الدعاء إلى الله أن يحفظ الأردن قيادةً وشعبًا، وأن يديم على الوطن نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ سيدي عبد الله الثاني بن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الحسين بن عبد الله الثاني، ليبقى الأردن شامخًا عزيزًا، عصيًا على الانكسار، ماضيًا بثقة نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا.