في عصر التواصل الرقمي والانفتاح الإلكتروني، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة واسعة لتبادل الآراء والأفكار، ومنبراً يتيح للجميع التعبير عن مواقفهم بحرية. إلا أن هذه الحرية التي وُجدت لتعزيز الحوار والنقاش الحضاري، بات البعض يستغلها بصورة خاطئة، محولين منصات التواصل إلى ساحات للإساءة والتجريح والقدح والذم بحق الآخرين.
فقد برزت فئة يمكن وصفها بـ"فرسان الشاشات"، أشخاص يظهرون شجاعة استثنائية خلف لوحات المفاتيح، ويوزعون الاتهامات والإساءات والعبارات الجارحة دون تردد، متسلحين بشعار "حرية الرأي والتعبير" لتبرير سلوك لا يمت بصلة إلى الحرية الحقيقية ولا إلى أخلاقيات الاختلاف.
إن حرية الرأي والتعبير لا تعني الإساءة للناس أو النيل من كرامتهم أو التشهير بهم، بل تعني طرح الأفكار والمواقف باحترام ومسؤولية. فالنقد حق مشروع، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى شتم وتجريح وتحريض وإهانة للآخرين.
والمثير للاستغراب أن كثيراً من هؤلاء الذين يملأون صفحات التواصل ضجيجاً وصخباً، يتبين عند التدقيق أنهم يختبئون خلف حسابات وهمية أو يقيمون خارج حدود الوطن، ويعتقدون أن المسافات تحميهم من المساءلة أو المواجهة. فيبدون أبطالاً في التعليقات والمنشورات، بينما يختفي هذا الحماس تماماً عندما يتعلق الأمر بالمواجهة المباشرة أو تحمل مسؤولية ما يكتبون.
ولو أن بعض هؤلاء كانوا في مواجهة حقيقية مع من يسيئون إليهم، أو تحت طائلة المسؤولية الاجتماعية والقانونية المباشرة، لما تجرأوا على استخدام الكثير من الألفاظ والعبارات التي يطلقونها بسهولة من خلف الشاشات.
إن المجتمعات المتماسكة لا تُبنى بالكراهية ولا بالإساءة، وإنما بالحوار والاحترام المتبادل وتقبل الرأي الآخر. كما أن قوة الإنسان لا تُقاس بقدرته على الإساءة، بل بقدرته على طرح رأيه بأدب واحترام حتى عند الاختلاف.
واليوم، ومع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والأخلاق واحترام الآخرين، بحيث تبقى هذه المنصات فضاءً للنقاش الهادف وتبادل المعرفة، لا منبراً للإساءة والتنمر وتصفية الحسابات الشخصية.
فالكلمة أمانة، وما يُكتب على الشاشات يعكس أخلاق صاحبه قبل أن يؤثر في الآخرين. أما الشتم والتجريح فلا يصنعان بطلاً، بل يكشفان ضعف الحجة وضيق الأفق، مهما حاول صاحبهما الاختباء خلف شاشة أو وراء حدود.