للأوطان نبض يشبه نبض القلب، والأردن نبضه هادئ لكنه لا يتوقف. من تأسيس الإمارة عام 1921 حتى دولتنا اليوم، ظل هذا البلد يمشي على درب واحد. يمر بمحطات صعبة ويخرج منها أقوى، كأن التعب يزيده صلابة، وكأن السر كله في كلمة قالها جلالة الملك عبد الله الثاني حين وصف الأردنيين بأنهم عائلته الكبيرة. بهذه الكلمة اختصر الحكاية كلها. فالدولة هنا ليست حدوداً وحراساً فقط، بل بيت واحد وسقفه محبة.
المحطة الأولى كانت في معان عام 1920. هناك قال الأردنيون كلمتهم الأولى. استقبلوا راية الثورة العربية والهاشميين وفتحوا بيوتهم قبل أن تكون لهم دولة. لم يسألوا عن مكسب. كان همهم أن تبقى كلمة العرب واحدة. من تلك اللحظة وُلد المعنى. الأردن لم يُؤسس ليكون رقماً على الخارطة بل ليكون بيتاً للمعنى، والهاشميون كانوا عنوان هذا المعنى منذ البداية، ومنذ ذلك اليوم صار الأردنيون عائلة تلتف حول راية واحدة.
ثم جاءت محطة تعريب قيادة الجيش في الأول من آذار عام 1956. يومها قرر الأردن بقيادة هاشمية أن صوته يجب أن يكون من حنجرته هو. قرار بسيط في كلماته عظيم في أثره. علّم الأجيال أن السيادة لا تُستورد وأن الكرامة تبدأ عندما تمسك زمام أمرك بيدك. ومنذ ذلك اليوم ظل الجيش العربي المصطفوي سور الدار. يحمي ولا يعتدي. يقدّم الشهيد تلو الشهيد من معركة باب الواد عام 1948 إلى معركة الكرامة عام 1968، ويعود إلى ثكناته بتواضع الفلاح بعد الحصاد، لأن الجندي فينا هو ابن الفلاح وابن المدني وابن البدوي، وجميعهم أبناء هذه العائلة الكبيرة.
واسأل حجر جرش كم صمد. أعمدة جرش التي واجهت زلزال عام 749 ميلادية ثم زلازل أخرى والريح والسنين ما زالت واقفة تشهد أن هذه الأرض تعرف معنى البقاء. كذلك هو الأردن. يمر عليه الدهر ولا يمر هو. يبقى شامخاً لأن جذوره ضاربة في التراب وفي الضمير. والفلاح الأردني تعلم من جرش ومن سهول إربد والمفرق أن الأرض لا تخون من يزرعها. يحمل منجله عند الفجر ويعود عند المغيب وقد ترك عرقه في التراب وترك قلبه معلقاً بسنابل القمح. والمدني في عمان والزرقاء تعلم أن يبني بالعقل كما يبني الفلاح باليد، وأن الوطن يحتاج الاثنين كي يستقيم.
وهذه الأرض لم تكن يوماً مغلقة على أهلها. على مر السنين كانت الأردن بوابة ومستقراً لمن ضاقت بهم السبل. منذ عام 1878 بدأ وصول الشراكسة والشيشان من القفقاس يحملون جراح التهجير، فوجدوا هنا أرضاً تحفظ الكرامة. بنوا أحياء في عمان وصويلح ووادي السير، وزرعوا مع القمح قيم الفروسية والوفاء. وبعد مذابح عام 1915 وصل الأرمن ففتح لهم الأردنيون البيوت، فحملوا معهم الحرفة والإتقان. وكانت الهجرات العربية أول الغيث. في ظل الدولة العثمانية كان الأردن ممر الحجاج وملتقى القوافل، فاستقر فيه أبناء الحجاز ونجد. وبعد النكبة عام 1948 ثم النكسة عام 1967 فتح الأردن ذراعيه لأهل فلسطين فلم يكونوا لاجئين في عيون الناس بل أهل دار ورحم موصول. ومن العراق جاءت موجات من العائلات بعد عام 1991 ثم عام 2003، فوجدوا في عمان كرم الضيافة. ومن سوريا منذ عام 2011 وصل من أتعبته الحرب، فكان الأردن له سقفاً ومدارس لأطفاله. كل هؤلاء دخلوا الأردن فزادوا العائلة الكبيرة عدداً ومعنى.
المحطة التالية لم تكن في قصر ولا في ميدان معركة بل كانت في كل بيت أردني رأى أخاه على الباب. الوصاية الهاشمية على المقدسات ليست ورقة سياسية بل عهد تحمله الأسرة من جد إلى حفيد. مفاتيح القدس أمانة في أعناقهم منذ بيعة الشريف الحسين بن علي. وهنا فهم العالم أن فلسطين في وجدان الأردني ليست شعاراً يعلو وينخفض بل دم يجري في العروق، لأن العائلة الواحدة لا تترك أخاها وحده.
والثبات لا يعني غياب التحدي. الأردن واجه شح المياه وهو اليوم من أفقر عشر دول مائياً في العالم. واجه أزمات اللجوء المتتالية حتى صار يستضيف ثاني أعلى نسبة لاجئين إلى عدد السكان. واجه ضيق الموارد وارتفاع المديونية وتقلب الإقليم من حوله. لكن الأردني تعلم أن الثبات عمل يومي. هو مصنع صغير في سحاب يشتغل به شباب من الكرك والطفيلة وجنين. هو معلمة في الغور تزرع الحرف في عقول الصغار رغم الحر وقلة الإمكانات. هو مبرمج في عمّان يكتب اسم بلده على تطبيق يصل العالم رغم كل العوائق. هو جندي على الحدود يسهر كي تنام المدن بأمان. والهاشميون في قلب هذا المشهد يوجهون البوصلة نحو العلم والعمل ويذكروننا أن بناء الدولة لا يقل شرفاً عن حمايتها.
وإذا أردت أن تعرف رائحة هذا الثبات فابحث عن الياسمين. الياسمين الأردني لا ينبت على الجدران فقط بل ينبت في طبع الناس. تراه في صبر الأم وهي تودع ابنها للجامعة، وفي كرم الجار للجار، وفي ضحكة البائع في وسط البلد رغم ضيق الحال. والياسمين حين يلتقي مع راية الهاشميين يصير للعطر معنى آخر، معنى الوفاء والاستمرار. أما زيتون الأردن فيذكرنا أن الجذر إذا ضرب في الأرض لا تهزه الريح. الزيتون صبر والياسمين أمل، والأردني يجمعهما في صدر واحد.
يا صديقي، الأردن ليس حكاية ملك أو حكومة. الأردن حكاية عائلة كبيرة قال ملكها إنها عائلته، فصدّقه الشعب لأنها الحقيقة التي يعيشها كل يوم. الفلاح الذي حرث أرض المفرق بعرقه، والبدوي الذي علم العالم معنى الكرامة، والمدني الذي بنى بيتاً من طابق وقلبه يتسع لحي كامل، والشركسي الذي علم أولادنا معنى الانضباط، والأرمني الذي زين أسواقنا بالإتقان، والشامي الذي فتح دكانه بالحكمة، والفلسطيني الذي حمل المفتاح والذاكرة، والعراقي الذي جاء بالشعر، والسوري الذي جلب معه أمل العودة. والهاشميون كانوا دائماً أول الصف في الحرب والسلم في الشدة والرخاء يحملون اسم الأردن ويحميهم الأردنيون بعيونهم.
الله وحده يُسبَّح بحمده. أما الأرض الأردنية فهي لا تنتظر من يمدحها، بل تنتظر من يحملها. الثبات الذي ورثناه من معان إلى تعريب الجيش إلى أعمدة جرش، ليس إرثاً يوضع في المتاحف، بل أمانة توضع على الأكتاف.
هذه الأرض التي استقبلت المهجّر عام 1878 واللاجئ عام 1948 والنازح عام 2011 ولم تغلق بابها، تسألنا اليوم: هل نحمل ما حمله آباؤنا؟ الماء شحيح لكن العرق لم يجف. الموارد قليلة لكن العقول لا تنضب. الإقليم يموج لكن البوصلة الهاشمية ثابتة، والشعب الذي اختاره الملك عائلته الكبيرة لا يعرف الانكسار.
فإما أن نكون على قدر هذا الاسم، وإما أن نترك التاريخ يروي أن جيلاً مرّ من هنا ولم يضف سطراً. الياسمين لا يزهر بالتمني. الزيتون لا يثمر بالخطابة. والأوطان لا تُبنى بالحنين وحده.
الأردن سجل مفتوح، وكل صباح صفحة جديدة. من سبقونا كتبوا بدمهم وعرقهم وصبرهم. فاحمل قلمك الآن، واكتب فعلك الذي يشهد لك أمامهم وأمام من سيأتي بعدك.
لأن هذا الوطن لا يقبل إلا أبناءً يعرفون أن العائلة الكبيرة لا تحيا بالذكريات، بل تحيا بما نصنعه غداً.