يعدّ الأردن أحد أهم الحواضن العالمية لظاهرة " الدّولمنز " ( Dolmens ) ، أو ما يُعرف في الوجدان الشعبي بـ " المناطير " و " بيت الغول " . هذه الأنصاب الحجرية الضخمة لا تُمثل مجرد حجارة متراكمة ، بل هي الشاهد المادي الأول على تحول الإنسان نحو البناء الجماعي المخطط ذي السقوف الحجرية ، مظهرةً ملامح ميثولوجيا عقائدية وجنائزية معقدة صمدت لأكثر من 5000 عام .
المفهوم المعماري والهندسي للمناطير :
تعني كلمة " دولمن " تاريخياً " الطاولة الحجرية " . هندسياً ، يتألف النصب من جدارين جانبيين من الصخور الصوانية أو الكلسية الكبيرة ، يُغلقان من الخلف بصخرة ثالثة ( الظهر ) ، وتُغطى من الأعلى بكتلة صخرية مسطحة وضخمة ( السقف ) تزن عدة أطنان ، ويصل أبعاد بعض هذه الصخور إلى ( 1.5 × 2 × 3 أمتار ) .
وفي بعض الطرز المتطورة ، تظهر فتحة ضيقة ( طاقة دائرية أو مربعة بقياس 60 × 60 سم ) عند الطرف الأمامي أحكم إغلاقها بحجر مستدير لتكون بمثابة بوابة للولوج . إن غياب أي نقش أو علامة خطية على هذه الأسطح الضخمة يترك الباب مفتوحاً للتأمل في دوافع صانعيها الذين تطلّب عملهم تعاوناً بشرياً هائلاً ونظاماً قيادياً حاشداً لنقل ورفع هذه الأوزان .
الأردن بؤرة عالمية : 2400 مدفن صامد :
بينما تشهر دول كبريطانيا حقل " ستون هينج " ( Stonehenge ) سياحياً ليدرّ عليها دخلاً مرتفعاً بعد منافسته على عجائب الدنيا السبع عام 2007 م ، وتضع كوريا صور الدّولمن على طوابعها البريدية ، فإن الأردن يحتفظ عالمياً بأعلى تركيز نسبي لهذه الأنصاب . تشير دراسات وتوثيقات المسح الأثري القديم ( مثل مسوحات الضابط البريطاني كوندار ) أن الأردن كان يضم نحو 12 ألف مدفن ، انخفضت بفعل العوامل البشرية إلى 2400 مدفن قائم حالياً ، تتوزع على 13 حوضاً أثرياً رئيسياً تقع أساساً على المرتفعات الجبلية المطلة على حفرة الانهدام ووادي الأردن .
التوزيع الجغرافي والأحواض الـ 13 :
محافظة إربد : قرى طريق البترول ( وهو الطريق الحيوي الذي يمتد لمسافة تقدر بنحو 15 كيلومتراً ويربط العديد من قرى وبلدات غرب إربد والألوية الشمالية بمركز المدينة والخطوط السريعة ) ، بلدة جحفية ، بلدة كفريوبا ، حوفا ، وهام .
محافظة البلقاء والأغوار : حقل داميا ( الأغوار الوسطى ) ، سويمة ، دير علا ، تل الأربعين ، الزارة ، والمطابي .
محافظة مأدبا : حوض المريغات ، حوض الهيدان ، حوض الفيحاء ، وزرقاء ماعين .
محافظة الزرقاء والمفرق : جبل المطوق ، منطقة السخنة ، حوض خريسان ( القريب من القنية ) ، وبيرين والكمشة .
العاصمة عمان ومحيطها : تل عيسى ، وامتداد شارع الأردن .
العمق التاريخي والوظيفة الجنائزية :
تؤكد الحفريات الأثرية أن الإطار الزمني لبناء الدّولمن يمتد من أواخر العصر الحجري النحاسي المتأخر إلى العصر البرونزي المبكر الأول والثاني ( بين 4000 إلى 2900 قبل الميلاد ) .
وتشير الأدلة الميدانية إلى أن هذه الأنصاب استخدمت كـ مقابر جماعية أو عائلية ، حيث عثر العلماء في حقل " داميا " وموقع " القطين " على غرف دفن سرية حُفرت تحت مستوى الأرضية الصخرية للنصب تحوي هياكل عظمية ، وبقايا جثث محروقة ( مما يشير إلى طقوس حرق الموتى في العصور البرونزي والحديدي الذي أعيد استخدام النصب فيه ) ، ومرفقات جنائزية تضم أواني فخارية ذات لمعان رمادي ، وأسلحة ، وحلياً وُضعت مع الميت لإيمانهم بالحياة الأخرى . كما انتشرت كهوف منحوتة في الواجهات الصخرية المحيطة بالحقول استخدمت كقبور مرافقة لجماعات رعوية كانت تهاجر دورياً بين شمال المملكة وجنوبها وفلسطين .
الروايات المأثورة والتفسيرات الشعبية :
أفرزت هذه الغرف الحجرية الغامضة تحليلات متباينة بين العلم والموروث الشعبي الدارج :
1 ) بيت الغول والعمالقة : ربطت الذاكرة الشعبية بناءها بقوى خارقة ، معتقدة أن العمالقة أو الجن هم فقط من استطاعوا رصها ، وهو ما تقاطع مع فرضية العالم الإنجليزي ( رايت ) الذي حاول ربطها في القرن التاسع عشر بأقوام تاريخية وردت في الكتب القديمة مثل " جيل العمالقة " أو " الزمزميين " .
2 ) المذابح الدينية : يرى فريق من الباحثين أن السطح العلوي المستوي للطاولات الصخرية كان يُستغل كمذابح لتقديم القرابين الحيوانية في طقوس تعبدية مرتبطة بمواقع النجوم والكواكب .
3 ) أبراج اتصالات : بعض التحليلات المحلية اعتبرت توزيعها على قمم التلال وسفوح الجبال بمثابة نقاط اتصال إشارية بين العشائر الرعوية .
صرخة إنقاذ : التحديات وجهود الحماية :
رغم القيمة التاريخية النادرة ، تواجه حقول الدّولمن في الأردن خطراً وجودياً حقيقياً ، فقد تسببت تراخيص المقالع والكسارات وتجريف الأراضي الزراعية ، إلى جانب عبث الباحثين عن الذهب والدفائن بآليات ثقيلة ، في تدمير مئات النصب ( مثلما حدث شمال بلدة جحفية حيث تحولت بعض الأنصاب المزالة إلى حجارة بناء في المساكن الحديثة ) .
ولمواجهة هذا التدمير ، ظهرت مبادرات أكاديمية وأهلية رائدة ، حيث قامت جامعة اليرموك وكلية الآثار بإنقاذ ونقل بعض نماذج الدّولمن من بلدة جحفية وإعادة تركيبها داخل الحرم الجامعي لغايات البحث والتعليم . كما نفّذ فريق مشترك من دائرة الآثار العامة ومتحف الأردن عملية إنقاذ أثرية معقدة بنقل نصبين متكاملين ( النصب الشمالي والنصب الجنوبي ) من حقل داميا المهدد بالمحاجر والتعدين ، وأُعيد تركيبهما بساحة المتحف الخارجية .
وفي ذات السياق ، انطلقت مبادرات وطنية كمبادرة الباحث عبدالرحيم العرجان عام 2010 م لحماية الدّولمن ، والتي دعت إلى إدراج حقول مأدبا ( مثل حوض المريغات وقرية الحجر المنصوب ) ضمن المسارات السياحية الدولية الواصلة بين جبل نيبو والبحر الميت ، وتدريب المجتمعات المحلية على صناعة نماذج تذكارية فخارية وحجرية تحاكي هذا الإرث لتوفير فرص عمل وتنمية مستدامة تحمي الآثار من التخريب البشري وعوامل التعرية الطبيعية .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) وزارة السياحة والآثار الأردنية ، المدونات التاريخية الرسمية .
2 ) وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ، تحقيق صحفي بعنوان : " آثاريون : حقول الدولمنز جزء من تراث الأردن الحضاري يحتاج للحماية والاهتمام " ، للدكتور زياد السعد والدكتور يوشع العمري والباحث عبدالرحيم العرجان ، منشور عام 2021 م .
3 ) صحيفة الدستور الأردنية ، مقال بحثي بعنوان : " آثار الدولمين . حكاية الوجود البشري في الأردن منذ أقدم العصور " ، للكاتب خالد سامح ، مستنداً لموسوعة ويكيبيديا ومبادرة حماية آثار الدولمن ، منشور عام 2016 م .
4 ) جامعة اليرموك ، كلية الآثار والأنثروبولوجيا ، الدراسات الميدانية وتقارير التنقيب وإعادة التركيب لنماذج دولمن بلدة جحفية .
5 ) متحف الأردن ، تقارير نقل وتوثيق الأنصاب الحجرية لعامي 2010 م و 2011 م من حقل داميا الأثري .
6 ) التقارير الأثرية لبعثة التنقيب الإسبانية ومعهد ثيربانتس في عمان ، حول موقع " خريسان " الأثري الممتد بين الزرقاء والمفرق ، والذي يوثق بدايات العمارة والاستقرار البشري .
7 ) Ancient Origins Website , " The Mysterious Megalithic Dolmens of Jordan " , Archaeological Studies on Levantine Landscapes and Prehistoric Burial Monuments .